Sunday, 31 December 2006

على جداريات الروح (2).... رغبة معلّقة

يوم الجمعة، موعد الفيلم الهندي على أحد القنوات الفضائية، تحرص ألا يفوتها مرة، فقد كانت تستلذ بكل لحظة في المشاهدة، تعشق أردية نسائهم الملونة التي تلفّ الجسد في دقّة وأناقة، تتخيل نفسها في أحد تلك الأزياء المبهرة وقد نقعته في ألوانها المفضلة، وطرّزته بخيالها غرزة غرزة
دائما ما تطير مع رقصاتهم الرشيقة بين جبال الهيمالايا ، وتسبح وسط الشعور السوداء الناعمة في أنهار الجانج المقدّس، تطرب لنوتاتهم الموسيقية وتقفز برشاقة بين السطور
كانت تتابع نص حواراتهم في الترجمة البيضاء الرديئة أسفل الشاشة، وتشعر أن لغتهم الهندية قريبة في عمقها من اللغة العربية، تزخم بالحكم والمشاعر، ضالعة في إيصال المعنى في أقل الكلمات... فقط لو كانت تجيدها فتمتلك مفتاحا ذهبيا أخر تفكّ به شفرة مكنونها، وتسجّل به مذكّراتها
في أثناء متابعة أحد الأفلام، رأت البطلة وقد زيّن أنفها فصّ لامع، كانت تعشق ذلك الشئ الصغير، تراه جزءا مميزا، رغم أنها تجهل مدلوله، ترغب أن تجرّبه، لولا أنها لاقت تعنيفا شديدا من صديقاتها، وتحذيرا أن من تفعل ذلك لا بد أن يتوسم فيها الرجال لمحة "انحراف"، وحين ذكّرتهم أن ذلك الفص تقليد هندي معروف، بدأت حلقات السخرية من "العقدة الهندية" التي تعتريها، وأن متابعتها للفيلم الهندي الأسبوعي يكفي ويزيد
فظلّت رغبتها معلّقة فترة طويلة
ذكّرها الفصّ بأيام الطفولة في ذلك البلد العربيّ، تحديدا بالممرّضة الهندية التي كثيرا ما كانت تقضي معها أوقاتا طويلة حتى ينتهي والدها الطبيب من ساعات عمله الليلية
"أنيتا" كان اسمها، سمراء الوجه، ممتلئة الشفاه، ترتدي نظارة طبية و"بونيها" أبيض، يزيّن أنفها ذلك الفص البرّاق الصغير، وتفوح منها رائحة الياسمين الليلية
ورغم صغر سنّ فريدة وضعف انجليزية وعربية حبيبة، إلا أن اثنتاهما نجحتا في التواصل الإيجابي، ووصلتا لأبجدية مشتركة تجمع بين العربية والانجليزية وبضع مفردات هندية
دائما ما كانت أوقاتهما معا مثمرة وغنية، فقد بدأت أنيتا بمعالجة مشكلة الصغيرة في كيفية قراءة الساعة، وتمييزالعملات الورقية وحساب الباقي بعد الشراء، فقد كان والدها يشكي ضعفها في التعلّم ويوكل الى أنيتا مهمّة تقريب المعلومة وتثبيتها
وحين كبرت فريدة قليلا، بدأ عطاء أنيتا ينمو معها أيضا، أجلستها إلى جانبها لترقبها وهي تغزل "بونيهاتها" البيضاء في سعادة من تحمل جنينها حتى تلده، علّمتها كيف تلوّن أظافرها بألوان هادئة، كيف تجدل شعرها في ضفائر محكمة، وترسم على كفّها بالحنّاء فراشات وورود
لم يقتصر دور أنيتا على تعريف الفتاة بأبجدية أنوثتها الخارجية، رأت أنيتا شرارات الذكاء تتطاير من عينيّ الفتاة الصغيرة، وتوسّمت فيها بذرة لامرأة قوية، فرغبت أن ترعى البذرة وترويها من ماء تجربتها الشخصية، فتغدو وردة يانعة، خارجها جميل، وقلبها مفعم بماء بالحياة
بدأت فريدة تتعرّف على مناطق إنسانية جديدة من أنيتا، تلمّست جرحها الذي خلّفته وراءها في أحد القرى الفقيرة على الساحل الشرقيّ للهند، اصطحبتها أنيتا في رحلة الألم عبر تجربة من نوع غريب
بدأت مأساة أنيتا حين بلغت الخامسة عشر، وأضحت شبه عانس في نظر عائلتها الفقيرة، فقد تربّت في بيئة تعدّ الفتاة غير المتزوجة عارا على أهلها يجب التخلص منه في أقرب فرصة، ورغم سيادة بعض التقاليد الجائرة ضد العروس وأهلها، فقد سارعت أسرة أنيتا في تزويجها لأول طارق، رغم اعتراضها اليائس ورغبتها العميقة في استكمال دراستها حتى تصبح ممرضة
وبدأت الاتفاقيات المالية والتي تضمّنت مسؤولية أنيتا وأهلهاعن نفقات المنزل وكثير من العطايا والهدايا المحمّلة على عاتقهم تجاه العريس وأهله بحسب البند الأول من تقاليد تلك القرية والقرى المجاورة
وكان الزواج، وكما بدأ بدهس كرامتها كامرأة، فقد استمرّ الإجحاف والتعذيب المادي، ظلّ أهل العريس يمتصّون دماء أهلها ويثقلونهم بفجاجة غير مسبوقة بقائمة من الهدايا والطلبات الشهرية، وحين لم يتبّق لأهل أنيتا ما يقدّمونه لأهل العريس بعد أن فقدوا كل شئ، فقد حان موعد "حرق العروس" بحسب البند الثاني في تقاليد الزواج
اتّسعت عينا فريدة وأصابتها رجفة حين كشفت أنيتا عن ذراعها وقد بدت عليه آثار قديمة لحروق غائرة، ربّتت أنيتا برفق على رأس فريدة، وأخبرتها أن ذلك كان أفضل بكثير من أن تحرق بأكملها، فحين يعجز أهل العروس عن تأدية القرابين المادية الظالمة، ولكي يجد أهل العريس منفذا جديدا لعروس أخرى "مقتدرة"، يقومون بسكب الكيروسين على جسد العروس وإحراقها دون اعتراض من أهلها الجزعين، لكن أنيتا تمكّنت من الافلات من تلك المحرقة بعد أن نالوا فقط من ذراعها
وبعد هروبها من زبانية الحريق وفئران الجزع، لجأت الى أحد تلك المؤسسات الأهلية الساعية وراء إبادة العادات الجاهلية لحرق العروس، ساعدوها أن تكمل دراستها وتلتحق بمدرسة للتمريض، حتى واتتها فرصة العمل في ذلك البلد العربيّ
احتضنتها فريدة بقوة، وكأنها تبارك شجاعتها وسعيها وراء الحلم ومطاردتها لأشباح ماضيها الأسود
بالنسبة لها، كانت "أنيتا" شيئا مميزا بالفعل، لم تكن فقط بديلا كفءا لأم رحلت مبكرا، بل تجربة حياة، كابوسا وحلما، حديقة أينعت بعد العاصفة، فنشرت شذاها في أرجاء عالم فريدة الصغير
وحين استدعى عمل والدها السفر الى دولة أخرى، جزعت، وارتعبت، حتى احتضنتها أنيتا في حنان غامر، طبعت على جبينها قبلة، وناولتها بونيها أبيض
فقط فريدة هي التي تستلذ ّ بمتابعة الفيلم الهندي، تترفّع عن السخرية المبتذلة بكل ما هو هندي، لأنها تحمل معني أعمق وذكريات تكنزها وتجترها حين ترغب أن تشبع ذاتها من ذكرى الاحتواء
نهضت بعد انتهاء الفيلم، ذهبت لغرفتها، ووقفت أمام المرآة... ظلّت ترمق الفص اللامع في أنفها، وقد اجتاحت مسام روحها رائحة الياسمين....
مدّت يدها الى النافذة، فتحتها عن أخرها.... وأرسلت قبلة في الهواء، تعلم جيدا منتهاها

8 comments:

mariam said...

kalamk 7elw w t3beerk gameel
kol sana w enty tayeba

el2ahwagi said...

ana raghm enni mosh ba7eb mo3zam elaflam elhendi (maba7ebish istenzafha lelmasha3er sa3aat betaree2a sat7eya)..bas ana it3alemt a7tarem elhenood men nas 2abeltohom aw ishataghalt m3ahom...

ketabet el qessa gameela welma3ani elli bete7melha kaman gameela...

el blog beta3ik kollo gameel..!

No Fear said...

السلام عليكم
جميلة قوي
أنا للأسف مش بقدر أميز بين القصة و الحقيقة ياريت توضحي
و كده كده هي روسعة سواء حقيقة أو خيال
بس يارب تكون خيال علشان هي صعبة قوي

عماد رفعت said...

لا هي قصه تقريبا مش حقيقه

No Fear said...

السلام عليكم
كل سنة و أنت طيبة
أنا ما أخدتش بالي إن كل البوست دي جديدة المهم أنا هأبعت التعليق ده هنا و في أخر بوست لك
علشان عاوز أقولك حاجات كتير
أولا بحدسك علي عمو أشرف ده الحقيقة
ثانيا أنا معه مائة بالمائة
هي أ سحر الموجي دي اللي كانت بتكتب في فترة سابقة في الأهرام العربي و لها برنامج علي إف إم
بس كده
كل سنة و أنت طيبة و ياريت نكون أصدقاء

No Fear said...

السلام عليكم
معلش هأصدعك
عرفت خلاص أنها هي فعلا د سحر الموجي و هأشوف السايت

DoDo said...

مانو
شكرا على الكلام الرقيق
ودايما مستنية تعليقاتك

القهوجي الفنان
أنا قصدت لغة الحكمة اللي بتتخلل حوارات الأفلام الهندي،كتير قوي و في لحظات الكلايمكس في الفيلم شخصية من الشخصيات تطلع تقول جملتين فيهم كتير من الألم والحكمة، للأسف كتير مننا ما بيركزش على نقاط البيك الحواري دي وبيتريق على المبالغات و"الأفلمة الهندي" المعهودة
أماالحبكة الدرامية، فأكيد في أفلام الواحد ما بيقدرش يكملها من كتر ما فيها إسفاف واستغلال طفولي للمشاعر زي ما انت بتقول
زيارتك على راسي من فوق


نو فير
وعليكم السلام 3 مرات واجبة
:)

لو قصدك إذا كانت عادة حرق العروس حقيقة أم خيال؟ فللأسف هقولك إنها حقيقة ومنتشرة في الهند وباكستان، وتقدر تقرأ أكتر في الموضوع دة من جوجل، أما لو قصدك على فريدة وأنيتا
فمين فينا ما يتمناش يكون في حياته قدوة وذكرى رقيقة زي أنيتا
أسيبلك أنا دي تحكم عليها حقيقة أم خيال

elgharep said...

هذا العمل الأدبى له مضمون أنسانى معبر وبسيط ويكشف وأن أختلف اللسان والجنس والعرق والدين فيبقى الأنسان ومشاعره أفضل أداة للتواصل مع بعضنا البعض
أحييك على هذ العمل الرقيق
الغريب