Thursday, 21 December 2006

واحات

واحـــــــــــــــات....

أسمع دقـــّات...
وعدتني جنيّة جميلة... برحلة أثيرية... في يوم ابتسم فيه قرص الشمس..
أطربني طير العندليب بلحن ٍ جاذبيّ .. وهمست في أذني الجنيّة...
خبّرتني بأنه يوم لن يُـنتسى... ورحلة ستغزل آثارها بخيوط الذهب على شغاف قلبي...
صدّقتها... وخطوت في أثرها.. أخذت ْ بيدي وحملتني على سحابات طريّة... غاصت أقدامنا فيها بلذ ّة...
"رحلتنا طويلة... فهل من تعب؟"... هززت رأسي أن سأكمل... فأنا أرمق خيالات بهيجة من الأفق الأرجواني ّ البعيد...

هاهي واحتي الأولى... وأسمع دقــّات..
تداعبني أحاسيس الأمان والقنوت.. ثقة ٌ بأنني محميّة... من غدرٍ أو طعنة خيانة...
ما تلك الأنوار المتراقصة ؟ خيالات ٌ نورانية .. تتهادى تجاهي... ألمح فيها ابتسامات ثقة..بَيــْد أنها رقيقة ..
تحيّيني بأدب... تمنحني ثقةً أكثر... تحيطني بجوانحها الشفـّافة وترّبت عليّ...
"لا تخشـَي ْ شيئاً فهنا مكمن الحقيقة... لا تبالي فلكِ هنا ركنٌ آمن.. مرّي عليه متى شئت ِ .. ولا تخافي"..
يا للذّة ما أشعر به... ما شعرت به من قبل... بعيداً عن عوالم كاذبة منافقة...
هنا نادتني الجنّية... لنغدو إلى واحةٍ أخرى نديّة...

أسمع دقــّات...
أراها واحة أجمل... مرحٌ وفرح وألعاب ناريّة... تلمع في سماءٍ فيروزية..
ألقي ببصري على جوانب نهر مرمريّ... حوريّات يدلين بأرجلهن في مياهه الصافية.. تناديني إحداهنّ.. أن تعالي..
أخطو لها في دلال... تدنو إليّ... تفكّ خصل شعري... تسدله في المياه العذبة... وتغدو تمشّطه وتعطّره بمسكٍ أريجيّ..
غرفت ْ لي من النهر غـَرفة.. سقتـْني قطرات لؤلؤية... بيدها البضّة الناعمة...
" لا تخشـَيْ شيئاً.. فهنا نبع حنانٍ لا ينضب... متى جفّ الريق...وتاقت الأوردة لنبض ٍ جديد... مُرّي من هنا... ولا تخافي"...
روتني تلك القطرات الإكسيرية... أثلجت عروقي... وطافت بروحي لثوان ٍ سحرية..
علمت حينها أنه حان موعد واحةٍ غيداء أخرى..
ودّعتُ الحوريّات.. و كلي شغف أن أعود قريباً.. لأحتسي كأسا أخرى صافية..

وها أنا أتبع الحورية... وأسمع دقّات...
في واحتي الجديدة...لاح لبصري موكبٌ مهيب... رجالات طوال... يعلو وجوههم حزم وجدّية...
يحملون عرشاً مطعّما بياقوتات قرمزية..وهناك توسّد العرشَ تاجٌ ماسيّ..
يخطف البصر بلمعانه.. يأسر العين برونقه... عـُذريّ كأن لم يعلو رأساً من قبل...
أشار لي قائد الموكب.. أن تعالي سيدتي... سيدة القصر ... تعالي يا ملكة التاج...
حملني كريشة في الهواء.. أجلسني على العرش الوثير.. ألبسني التاج الخرافيّ... وقبّل يدي في رقة...
"لا تخشـَيْ شيئاً... فأنتِ هنا الملكة.. متوّجة.. رفيعة المقام عـــــالية..كي تبصري قدْركِ... مُرّي من هنا... ولا تخافي"
مقامٌ لا يعلوه مقام... ملكة ٌ أنا... عزيزة ُ القدر أنا... جرفني الإحساس الى طبقات روحيّة سامية
وكعادتها... غمزت لي الجنـّية... لتعلن غدوّ واحة أخرى...
أسمع دقــّات...
موسيقى حالمة تعبـّق المكان... ترسم آلاف الأحلام الوردية...
تسحر آذان العاشقين.... تلعب على أوتار قلب ٍ عليل...
أراه بلحيته الفضّية.. وأسماله العتيقة... ريشة ٌ ترتعش في يده... يخط ّ بها حروف الزمن القديم...
أشاح بوجهه العجوز ناحيتي...أشار إلى بعيد... "هاك عظماء التاريخ.. هاك العبقرية تمشي على أقدام ٍ حيّة..."
جموع ٌ وجموع... من كل عرق ولون... ألبسةٌ مختلطة... كأنها حفل تنكّريّ صاخب...
أفلاطون يرسم ملامح مدينته الفاضلة... أرخميدس يصرخ عارياً أن "يوريكا"...
شيكسبير يخلق روائعه المسرحية...وإبن حيّان غارقا ً في كيمياء الأشياء...
بيتهوفن يبدع سيمفونيته التاسعة...وزرياب يسحر سامعيه بصوت أخّاذ..
أجواء الموسيقى.... بحور العلم اللانهائي... لوحات معلّقة على مرسم الأبدية...
كلها تمتد لخط الأفق البعيد.. ولا أرى لها آخــِرا...
ربّت على كتفي ذلك العجوز القديم " لا تخشـَيْ شيئاً...فهنا كنوز الحقيقية... كلما نشدت ِغذاء عقل وروح...مُرّي من هنا... ولا تخافي"

أسمع دقــّات...
أكنت أحلم؟ أم هي أطياف لذيذة.. تسكر العقل لهنيهات..
أكنت نائمة؟ فتحت عينيّ.. رغم ظنّي بأني يقظة طوال الوقت...
نظرت لعينيه النائمتين .... وجبينه الواسع.. الذي ينبض إباءً ورجولة..
وجهه الخمريّ... تعلوه إبتسامة طفل هادئ مغتبط...
رأسي مائلة على كتفه العريض.. يدي راقدة في سكينة على صدره ناحية اليمين..
دقـّــات قلبه تنبض حياةً في يدي... كل دقّة تسري في يميني... تسبح في جسدي...
ملايين المعاني والأفكار.... زخم من المشاعر يدغدغني...
وأسمع دقــّات...

هي لحظات وذكريات...ضحكات ٌ وآهــات...
هي دقــّّات وواحات...
واحات في قلب حبيبي...

No comments: