بدأ العام الدراسي، وازدحمتْ أروقة الكلية بطلبة السنة الأولى التائهين، أعينهم المتركّزة على جدوال المحاضرات مفعمة بالحماسة والتطلّع لهذه المرحلة الجديدة من حيواتهم، يزاحمهم في ذلك طلبة السنوات الثلاث التالية، والذين قد انطفأت في أعينهم الشعلة تدريجيا--لأسباب تعددت وموت الروح واحد
بعدها بأسبوعين، بدأت السكاشن العملية، أخذت جدول مواعيدي، واتجهت لمعمل السكاشن، وقد انشغل فكري كالعادة بأسئلة تحوم كلها حول طبيعة الطلبة هذه السنة: هل سيكونون أقل تأدبا؟ أكثر جرأة؟ أقل اكتراثا بموضوع الدراسة برمّته؟ هل سأقرأ في أعينهم نظرات التيه والخواء المحبطة والمستفزّة كسابقيهم؟ أم ستنطلق منها شرارات الذكاء والحماسة لتبعث فيّ الدفء والثقة في شباب لا زال يحمل رسالة ويتبنّى فكرة؟ ترى كم منهم سيبقى وكم منهم سيرحل عن البلد أو يتخذ قرار الهجرة بعد خمس سنوات من الان؟
طردت تلك الأسئلة المرهقة....فهناك الكثير من العمل
مرّ شهر ونصف، حتى كان ذلك اليوم....حضر الطلبة الذين أحفظ وجوههم جيدا، وبدأت الشرح.... وحين إقترب السكشن من نهايته....انفتح الباب ودخل ذلك الوجه الجديد
نظرت إلى ساعتي في إشارة إلى تأخره البيّن عن ميعاد بداية السكشن، فتوجّه إليّ بالاعتذار بأن هناك ظروفا خارجة عن إرادته منعته من الانتظام في الدراسة منذ بداية الفصل الدراسي، تفهّمت الموقف ووجّهته إلى مكان تصوير المذكّرات وأن يعود اليّ ليسأل فيما ينغلق عليه فهمه، وذكّرته بقرب موعد امتحان السكشن ليتمكّن من تحصيل ما فاته والاستعداد له
شكرني بشدة، وخرج
هنا بدأت عاصفة الأسئلة من جديد: لم يتكلّم بهذا البطء؟ ولم ينظر في اللاشئ وهو يحدّثني كأنما يخاطب الهواء؟ لم يبدو وكأنه في الثامنة والعشرين وسط رفقائه الطلبة الذين لا تتجاوز أعمارهم الثامنة عشر؟ وأهم من كل ذلك.... وقد لا يكون من شأني أن أسأل.... لمَ يتكّأ على عكاز ويمشي بعرجة بطيئة؟
بعد انتهاء السكشن، سألت طالبة: هو الولد دة معاكو في سنة تانية؟ وحين أجابت بنعم، سألتها بمزيد من التأكّد، فأقسمت لي أنه معهم
في السكاشن التالية، إلتزم الوجه الجديد بالحضور، إلا أنه لم يسأل فيما سبق تدريسه، فأيقنت أنه مستوعب ومتابع للمادة
وحين جاء موعد الامتحان، لم تمرّ أكثر من 15 دقيقة على البدء حتى وجدته يسلّم ورقته، وفي عينيه لا زالت ترقد تلك النظرة المشوّشة التائهة، وجدت الاجابة لم تتعد السطرين ولن يستحق عليها إلا صفر\10
بدأ الطلبة في تسليم أوراقهم والمغادرة، حتى بقيت طالبة أخيرة هي التي سبق أن سألتها عن ذي الوجه الجديد، لم أتمالك نفسي مرة أخرى وسألتها على استحياء: الولد اللي بعكّاز ده، انتِ متأكّدة إنه معاكو؟ إبتسمت وهزّت رأسها بالايجاب، وحين لاحظتْ أن علامات الاستغراب لا زالت بادية على وجهي، قالت وكأنها تقرأ السؤال التالي: الولد دة إسمه وليد، وكان مفروض إنه يتخرّج من 7 سنين، لكن كان نشط سياسي وأ ُعتقل الفترة اللي فاتت دي كلها، ولسة خارج من شوية.... دة اللي قالتهولنا واحدة من الدكاترة
غادرتْ بعد أن شكرتها على الإيضاح
نظرتُ مرة أخرى إلى ورقته....وظللت أرمق تلك الكلمات المترددة، ذلك الخط المرتعش، محاولات يائسة لاستحضار المزيد من السطور والكلام، باءت كلها بالفشل.... بصعوبة وضعت عليها 2\10
لأول مرة لم أشعر بالاستفزاز من نظرة الخواء التي حملتها عيناه، أعطيتها كل المبررات
نظرت الى امتداد السماء عبر النافذة المفتوحة، وتساءلت: نظرة ضياع، و7 سنوات، وعكّاز.....يا ذا الوجه الجديد...ترى ماذا فعلوا بك...؟
3 comments:
oh my god...
dodo..what a topic!!
just felt the pain..i saw him!!
no comment...
kalemaat bet2ool keteer awi...sard saless yetrok lelqare2 ketabet ma ya3gaz elqalam 3an wasfo men ta76eem elnafs elbashareya 3la 2eed 3adeemi ay mokawenat bashareya...
waraqet imte7aan baydaa2 malee2a bel2aneen... be7ebr 2ebyadd lawnoh men intehaak 7aqoh fel karama!
white seagull
yes dear, it's painful to see someone who survived such a long time of locked freedom and torn dreams... *sigh*
El ahwagi (el fannan)
"waraqet imte7aan baydaa2 malee2a bel2aneen... be7ebr 2ebyadd lawnoh men intehaak 7aqoh fel karama!"
eh da ! da ta3leeq a7la w a3maq men el post nafso...
2ahwetak 3ala 7sabi dayman :)
Post a Comment