الساعة الواحدة، ظهر أحد أيام الصيف القائظ، في طريق عودتي إلى ضاحية المعادي حيث أقطن.. أقود "زيزة" سيارتي القديمة والتي يمكن اعتبارها مخبز آلي محترم في مثل هذا الوقت من العام... ، (هي جابت "جاز" من معاملتي الخشنة لها، وأنا جبت كتاكيت من سخونتها)...
سلكت طريق الكورنيش الطويل على أمل أن أقتنص فرصة ضئيلة أنعم فيها بلقطات متقطّعة من بقايا شاطئ النيل الذي اغتالته كازينوهات الدرجة الثالثة وسدود الاسمنت الخمس نجوم....
إلا أن تلك لم تكن آخر السدود التي واجهتها في ذلك اليوم الكئيب..
أحاول جاهدة تفادي سيارات الميكروباص التي يقودها رجال متمرسون في كل شئ وخاصة سب سائقي السيارات الملاكي من النساء على أساس أنه "بهايم" سواقة ! (العفو يا معالي الباشا سائق الميكروباص فمنك نتلقّى أرقى دروس فن القيادة)
بعد أن تجاوزتُ المرحلة البهلوانية لتجنب أذى الميكروباصات التي تتوقف فجأة في عرض الطريق لتقلّ راكبا جديدا، أو تلك التي تظهر من العدم وتتصدّر مجال الرؤية في ثوانٍ (والتي كانت بمثابة النوع الثاني من السدود التي باركت يومي ذاك)، انتقلت الى مرحلة "التعليقة"... حيث تتكدّس السيارات في صفوف قد تبدو لمن يراها بلا نهاية محددّة وبلا سبب محدّد، ها أنا ذا أقف بسيارتي في أحد تلك الصفوف لدقائق بدت كالدهر...أطفأت محرّك السيارة حتى يهدأ ويبرد قليلا، وظللت أرمق المنظر حولي: السيارات بالعشرات، لا تتحرّك قدر أنملة، متلاصقة، الاكصدام في الاكصدام كما يصفها التعبير الانجليزي
Bumper to Bumper
الوجوه واجمة متعبة، بعضها يعلوه العرق (فقط تلك التي قدرها أن تقود مثيلات "زيزة")...
لا مفر من أن ينتابني سؤال حيوي: ماذا لو استمر سوء التخطيط هذا؟ ماذا لوكان صحيحا أن السيارات في شوارع القاهرة لن تجد بالفعل مجالا تتحرّك فيه عام 2012 بحسب أحد التحليلات؟ ماذا كان سيحدث لو لم تكن هناك كباري علوية ترفع الآلاف من على الأرض، وأنفاقا أرضية تبتلع آلافا آخرين كل يوم؟ هل ضاقت بنا الأرض بما رحبت؟ أسئلة كثيرة أيقظها الملل والاجهاد، فتدحرجت من ركن مظلم من العقل، تدحرجت حتى اصطدمت بسد هائل لا يسعها إلا أن تركد عند أسفله....
تبدأ الصفوف في التحرك التدريجي، ينفك العُـقد فتنفرط حباته في سرعة جنونية، في محاولة يائسة لتعويض الوقت الذي أهدره الانتظار في صفوف العذاب...
ها أنا اقترب من الحي الذي أقطنه، وقد نشط عقلي بعد فترة بيات شتوي، فما انفك يعصف بالذكريات ويقدح شرارات أسئلة أخرى....
كان أول ما مرّ بذاكرتي، هو تلك الفترة من شتاء هذا العام، تحديدا شهر فبراير، حين غيّب البحر ذكرى المئات من "غلابة" الغربة في حادثة قاسية باردة، مرّت دون أن يحاسب أحد، دعنا من أن "يعاقب"، وذهبت أنّات أسر ضحايا الحرق والغرق في زخم تهليل المشجّعين في استاد القاهرة أبان بطولة الأمم الأفريقية، بدأت أعتقد أن الكل ضحايا، الذين غرقوا والذين بكوا الغارقين هم ضحايا الاهمال والفساد، والذين هللوا في الاستاد والشوارع ضحايا الجهل والتعتيم الاعلامي والأمل الكاذب في اي نصر من اي نوع وأي حجم وأي قيمة، وان جاء في وقت كان لا بد أن ترتدي فيه البلد السواد بدلا من تلك القبعات الطويلة السخيفة...
هنا تدحرج سؤال آخر الى أسفل السدّ: إلى متى سيغيّب الحي والميّت على السواء في هذا البلد؟
بدأت أشعر أن الطريق أطول وأضيق... توقّفت في إشارة مرورية مملّة، حين ظهرت لي امرأة تبدو عليها أمارات الحنكة ومغالبة الزمان، وكما هو متوقّع فقد بدأت ملحمة الشحاتة المتقنة والتي لا تخلو من تناقضات فكاهية، على شاكلة: " ربنا يخليكي ده أنا ست صاحبة عيا، أرملة، بربّي في يتامى وجوزي مشلول!!"
ترى.. كم تكسب هذه المتمرّسة في اليوم؟ لا شكّ أضعاف ما أقبض أنا من فتافيت الحكومة!
أضف الى كومة الأسئلة المتكوّمة...
لا زلت أشقّ طريقي وسط ميادين المعادي – التي يحلف بدهلزتها كل من لا يسكن فيها- ولا زالت الأسئلة تلعب لعبتها القاسية معي...
تذكرت حين رغبت يوما في شراء "تي-شيرت" قطن أبيض سادة - فيها مشكلة دي يا جماعة؟- قضيت ما يقارب الثلاث ساعات أبحث عن ضالّتي المنشودة بلا جدوى في بلد أستـُعمر سنوات سوداء من أجل قطنه... وأينما التفتّ وجدت تلك الماركة العجيبة للبلوزات الحريمي المطّاطية الخانقة ذات النسيج الصناعي 100%، وكم من دراسة أثبتت خطورة ارتداء مثل تلك الخامات "الصمّاء" الضاغطة على الجسد والروح معا...
ويلحق السؤال بسابقيه ليتكوّم عند السدّ: ترى ما الذي حدث لمستويات انتاج سلعة استراتيجية كهذه – واضح أنها استراتيجية من جهة أنها هدف استراتيجي للضرب والتدمير- كيف ينخفض الانتاج من 12مليون قنطار في الستينيات الى 4 مليون قنطار في هذا الزمن الأسود؟ هيييييييه
ما هذا!!أين أنا؟ لقد فوّتُ الفتحة المؤدية الى منزلي.. أخخخ ! وقعت في فخ دهاليز المعادي كغيري من الغرباء... حسنا لا بد من مخرج ما في مكان ما، ظللت "أعافر" في شوارع تتشابه في منازلها والسيارات القابعة عند مداخلها، تتشابه حتى في أشجارها المتشابكة، حتى وصلتُ الى شارع جانبي صغير... وهنا اصطدمت بأكبر سد في ذلك اليوم !
عساكر الأمن "مترشّقين" وأكثر من حاجز أمني حديدي... لم أستوعب أين أنا حتى سمعتُ صيحة مدوّية :" رايحة فين يا مدام"
- معلهش حضرتك أنا تايهة! هو أنا فين ؟
نظر ضابط الأمن المتعجرف الى زميله وابتسامة السخرية تعلو وجهه النرجسيّ الغليظ...
- يعني منتيش عارفة انت فين؟ هنا بيت السفير الاسرائيلي.. باين عليكي مش من هنا.. على العموم الشارع دة مقفول وممنوع حد يقرّب من المنطقة دي ! يللا لفّي وارجعي.. واسئلي بعيد..."
علامات البلاهة تعلو وجهي التعيس، وخليط من الردود تتزاحم على طرف لساني وتصرّ على الخروج، لولا أنني تيقّنت أنها لا تناسب المكان ولا الزمان..
" أولا أنا مش مدام أنا آنسة، ولوأنها مابتفرقش معاكو في أوقات هدم اللذات وتفريق الجماعات في أي مظاهرة... ما بيفرقش معاكو راجل من ستّ أصلا... ثانيا... أنا فعلا مش عارفة أنا فين، وماليش مزاج أستعبط النهاردة يا عم الموسوعة الفـِتـِك!
ثالثا..من امتى بنعلّم شوارع بلدنا ببيوت السفراء الأجانب، لأ و ايه... بيت "الأخ" ده بالذات..رابعا.. أنا من هنا.. ومن قبل ما تتخرّج سيادتك من كلية الشرطة كمان !
أخيرا وليس اخرا... ممنوع ممنوع، هو الشارع ده أخره الجنة يعني! أنا ماشية أهو، بس ماتزقّش..." ونظرا لخطورة كل من الأقوال الهوجاء السابقة، فقد اضررت لابتلاع لساني بما قد تكالب عليه من كلمات...ورجعت بالسيارة الى الوراء، والتي أبتْ إلا أن تخذلني كعادتها في أسوأ المواقف، فقد توقّفتْ أكثر من مرة، أحاول ادارة المحرّك وأنا أبتسم الى الضابط ابتسامة بمعنى– زي ما انت شايف هيّ اللي عنيدة ومش عايزة تتحرّك..
وحين رضيتْ عني، قدتها مبتعدة عن منطقة "التابو" ، وقد "انحشر" في أسفل السد أكبر سؤال لهذا اليوم: لماذا يسكن هذا الشخص على بعد كيلومترات منـّي؟
سلكت طريق الكورنيش الطويل على أمل أن أقتنص فرصة ضئيلة أنعم فيها بلقطات متقطّعة من بقايا شاطئ النيل الذي اغتالته كازينوهات الدرجة الثالثة وسدود الاسمنت الخمس نجوم....
إلا أن تلك لم تكن آخر السدود التي واجهتها في ذلك اليوم الكئيب..
أحاول جاهدة تفادي سيارات الميكروباص التي يقودها رجال متمرسون في كل شئ وخاصة سب سائقي السيارات الملاكي من النساء على أساس أنه "بهايم" سواقة ! (العفو يا معالي الباشا سائق الميكروباص فمنك نتلقّى أرقى دروس فن القيادة)
بعد أن تجاوزتُ المرحلة البهلوانية لتجنب أذى الميكروباصات التي تتوقف فجأة في عرض الطريق لتقلّ راكبا جديدا، أو تلك التي تظهر من العدم وتتصدّر مجال الرؤية في ثوانٍ (والتي كانت بمثابة النوع الثاني من السدود التي باركت يومي ذاك)، انتقلت الى مرحلة "التعليقة"... حيث تتكدّس السيارات في صفوف قد تبدو لمن يراها بلا نهاية محددّة وبلا سبب محدّد، ها أنا ذا أقف بسيارتي في أحد تلك الصفوف لدقائق بدت كالدهر...أطفأت محرّك السيارة حتى يهدأ ويبرد قليلا، وظللت أرمق المنظر حولي: السيارات بالعشرات، لا تتحرّك قدر أنملة، متلاصقة، الاكصدام في الاكصدام كما يصفها التعبير الانجليزي
Bumper to Bumper
الوجوه واجمة متعبة، بعضها يعلوه العرق (فقط تلك التي قدرها أن تقود مثيلات "زيزة")...
لا مفر من أن ينتابني سؤال حيوي: ماذا لو استمر سوء التخطيط هذا؟ ماذا لوكان صحيحا أن السيارات في شوارع القاهرة لن تجد بالفعل مجالا تتحرّك فيه عام 2012 بحسب أحد التحليلات؟ ماذا كان سيحدث لو لم تكن هناك كباري علوية ترفع الآلاف من على الأرض، وأنفاقا أرضية تبتلع آلافا آخرين كل يوم؟ هل ضاقت بنا الأرض بما رحبت؟ أسئلة كثيرة أيقظها الملل والاجهاد، فتدحرجت من ركن مظلم من العقل، تدحرجت حتى اصطدمت بسد هائل لا يسعها إلا أن تركد عند أسفله....
تبدأ الصفوف في التحرك التدريجي، ينفك العُـقد فتنفرط حباته في سرعة جنونية، في محاولة يائسة لتعويض الوقت الذي أهدره الانتظار في صفوف العذاب...
ها أنا اقترب من الحي الذي أقطنه، وقد نشط عقلي بعد فترة بيات شتوي، فما انفك يعصف بالذكريات ويقدح شرارات أسئلة أخرى....
كان أول ما مرّ بذاكرتي، هو تلك الفترة من شتاء هذا العام، تحديدا شهر فبراير، حين غيّب البحر ذكرى المئات من "غلابة" الغربة في حادثة قاسية باردة، مرّت دون أن يحاسب أحد، دعنا من أن "يعاقب"، وذهبت أنّات أسر ضحايا الحرق والغرق في زخم تهليل المشجّعين في استاد القاهرة أبان بطولة الأمم الأفريقية، بدأت أعتقد أن الكل ضحايا، الذين غرقوا والذين بكوا الغارقين هم ضحايا الاهمال والفساد، والذين هللوا في الاستاد والشوارع ضحايا الجهل والتعتيم الاعلامي والأمل الكاذب في اي نصر من اي نوع وأي حجم وأي قيمة، وان جاء في وقت كان لا بد أن ترتدي فيه البلد السواد بدلا من تلك القبعات الطويلة السخيفة...
هنا تدحرج سؤال آخر الى أسفل السدّ: إلى متى سيغيّب الحي والميّت على السواء في هذا البلد؟
بدأت أشعر أن الطريق أطول وأضيق... توقّفت في إشارة مرورية مملّة، حين ظهرت لي امرأة تبدو عليها أمارات الحنكة ومغالبة الزمان، وكما هو متوقّع فقد بدأت ملحمة الشحاتة المتقنة والتي لا تخلو من تناقضات فكاهية، على شاكلة: " ربنا يخليكي ده أنا ست صاحبة عيا، أرملة، بربّي في يتامى وجوزي مشلول!!"
ترى.. كم تكسب هذه المتمرّسة في اليوم؟ لا شكّ أضعاف ما أقبض أنا من فتافيت الحكومة!
أضف الى كومة الأسئلة المتكوّمة...
لا زلت أشقّ طريقي وسط ميادين المعادي – التي يحلف بدهلزتها كل من لا يسكن فيها- ولا زالت الأسئلة تلعب لعبتها القاسية معي...
تذكرت حين رغبت يوما في شراء "تي-شيرت" قطن أبيض سادة - فيها مشكلة دي يا جماعة؟- قضيت ما يقارب الثلاث ساعات أبحث عن ضالّتي المنشودة بلا جدوى في بلد أستـُعمر سنوات سوداء من أجل قطنه... وأينما التفتّ وجدت تلك الماركة العجيبة للبلوزات الحريمي المطّاطية الخانقة ذات النسيج الصناعي 100%، وكم من دراسة أثبتت خطورة ارتداء مثل تلك الخامات "الصمّاء" الضاغطة على الجسد والروح معا...
ويلحق السؤال بسابقيه ليتكوّم عند السدّ: ترى ما الذي حدث لمستويات انتاج سلعة استراتيجية كهذه – واضح أنها استراتيجية من جهة أنها هدف استراتيجي للضرب والتدمير- كيف ينخفض الانتاج من 12مليون قنطار في الستينيات الى 4 مليون قنطار في هذا الزمن الأسود؟ هيييييييه
ما هذا!!أين أنا؟ لقد فوّتُ الفتحة المؤدية الى منزلي.. أخخخ ! وقعت في فخ دهاليز المعادي كغيري من الغرباء... حسنا لا بد من مخرج ما في مكان ما، ظللت "أعافر" في شوارع تتشابه في منازلها والسيارات القابعة عند مداخلها، تتشابه حتى في أشجارها المتشابكة، حتى وصلتُ الى شارع جانبي صغير... وهنا اصطدمت بأكبر سد في ذلك اليوم !
عساكر الأمن "مترشّقين" وأكثر من حاجز أمني حديدي... لم أستوعب أين أنا حتى سمعتُ صيحة مدوّية :" رايحة فين يا مدام"
- معلهش حضرتك أنا تايهة! هو أنا فين ؟
نظر ضابط الأمن المتعجرف الى زميله وابتسامة السخرية تعلو وجهه النرجسيّ الغليظ...
- يعني منتيش عارفة انت فين؟ هنا بيت السفير الاسرائيلي.. باين عليكي مش من هنا.. على العموم الشارع دة مقفول وممنوع حد يقرّب من المنطقة دي ! يللا لفّي وارجعي.. واسئلي بعيد..."
علامات البلاهة تعلو وجهي التعيس، وخليط من الردود تتزاحم على طرف لساني وتصرّ على الخروج، لولا أنني تيقّنت أنها لا تناسب المكان ولا الزمان..
" أولا أنا مش مدام أنا آنسة، ولوأنها مابتفرقش معاكو في أوقات هدم اللذات وتفريق الجماعات في أي مظاهرة... ما بيفرقش معاكو راجل من ستّ أصلا... ثانيا... أنا فعلا مش عارفة أنا فين، وماليش مزاج أستعبط النهاردة يا عم الموسوعة الفـِتـِك!
ثالثا..من امتى بنعلّم شوارع بلدنا ببيوت السفراء الأجانب، لأ و ايه... بيت "الأخ" ده بالذات..رابعا.. أنا من هنا.. ومن قبل ما تتخرّج سيادتك من كلية الشرطة كمان !
أخيرا وليس اخرا... ممنوع ممنوع، هو الشارع ده أخره الجنة يعني! أنا ماشية أهو، بس ماتزقّش..." ونظرا لخطورة كل من الأقوال الهوجاء السابقة، فقد اضررت لابتلاع لساني بما قد تكالب عليه من كلمات...ورجعت بالسيارة الى الوراء، والتي أبتْ إلا أن تخذلني كعادتها في أسوأ المواقف، فقد توقّفتْ أكثر من مرة، أحاول ادارة المحرّك وأنا أبتسم الى الضابط ابتسامة بمعنى– زي ما انت شايف هيّ اللي عنيدة ومش عايزة تتحرّك..
وحين رضيتْ عني، قدتها مبتعدة عن منطقة "التابو" ، وقد "انحشر" في أسفل السد أكبر سؤال لهذا اليوم: لماذا يسكن هذا الشخص على بعد كيلومترات منـّي؟
ملحوظة: لا بد أن هناك حلا عبقريا لمشكلتي مع الأقواس وعلامات الاستفهام والتعجب في الكتابة باللغة العربية ولكني ببساطة أجهل ذلك الحل...
:)
No comments:
Post a Comment