Sunday, 31 December 2006

على جداريات الروح (2).... رغبة معلّقة

يوم الجمعة، موعد الفيلم الهندي على أحد القنوات الفضائية، تحرص ألا يفوتها مرة، فقد كانت تستلذ بكل لحظة في المشاهدة، تعشق أردية نسائهم الملونة التي تلفّ الجسد في دقّة وأناقة، تتخيل نفسها في أحد تلك الأزياء المبهرة وقد نقعته في ألوانها المفضلة، وطرّزته بخيالها غرزة غرزة
دائما ما تطير مع رقصاتهم الرشيقة بين جبال الهيمالايا ، وتسبح وسط الشعور السوداء الناعمة في أنهار الجانج المقدّس، تطرب لنوتاتهم الموسيقية وتقفز برشاقة بين السطور
كانت تتابع نص حواراتهم في الترجمة البيضاء الرديئة أسفل الشاشة، وتشعر أن لغتهم الهندية قريبة في عمقها من اللغة العربية، تزخم بالحكم والمشاعر، ضالعة في إيصال المعنى في أقل الكلمات... فقط لو كانت تجيدها فتمتلك مفتاحا ذهبيا أخر تفكّ به شفرة مكنونها، وتسجّل به مذكّراتها
في أثناء متابعة أحد الأفلام، رأت البطلة وقد زيّن أنفها فصّ لامع، كانت تعشق ذلك الشئ الصغير، تراه جزءا مميزا، رغم أنها تجهل مدلوله، ترغب أن تجرّبه، لولا أنها لاقت تعنيفا شديدا من صديقاتها، وتحذيرا أن من تفعل ذلك لا بد أن يتوسم فيها الرجال لمحة "انحراف"، وحين ذكّرتهم أن ذلك الفص تقليد هندي معروف، بدأت حلقات السخرية من "العقدة الهندية" التي تعتريها، وأن متابعتها للفيلم الهندي الأسبوعي يكفي ويزيد
فظلّت رغبتها معلّقة فترة طويلة
ذكّرها الفصّ بأيام الطفولة في ذلك البلد العربيّ، تحديدا بالممرّضة الهندية التي كثيرا ما كانت تقضي معها أوقاتا طويلة حتى ينتهي والدها الطبيب من ساعات عمله الليلية
"أنيتا" كان اسمها، سمراء الوجه، ممتلئة الشفاه، ترتدي نظارة طبية و"بونيها" أبيض، يزيّن أنفها ذلك الفص البرّاق الصغير، وتفوح منها رائحة الياسمين الليلية
ورغم صغر سنّ فريدة وضعف انجليزية وعربية حبيبة، إلا أن اثنتاهما نجحتا في التواصل الإيجابي، ووصلتا لأبجدية مشتركة تجمع بين العربية والانجليزية وبضع مفردات هندية
دائما ما كانت أوقاتهما معا مثمرة وغنية، فقد بدأت أنيتا بمعالجة مشكلة الصغيرة في كيفية قراءة الساعة، وتمييزالعملات الورقية وحساب الباقي بعد الشراء، فقد كان والدها يشكي ضعفها في التعلّم ويوكل الى أنيتا مهمّة تقريب المعلومة وتثبيتها
وحين كبرت فريدة قليلا، بدأ عطاء أنيتا ينمو معها أيضا، أجلستها إلى جانبها لترقبها وهي تغزل "بونيهاتها" البيضاء في سعادة من تحمل جنينها حتى تلده، علّمتها كيف تلوّن أظافرها بألوان هادئة، كيف تجدل شعرها في ضفائر محكمة، وترسم على كفّها بالحنّاء فراشات وورود
لم يقتصر دور أنيتا على تعريف الفتاة بأبجدية أنوثتها الخارجية، رأت أنيتا شرارات الذكاء تتطاير من عينيّ الفتاة الصغيرة، وتوسّمت فيها بذرة لامرأة قوية، فرغبت أن ترعى البذرة وترويها من ماء تجربتها الشخصية، فتغدو وردة يانعة، خارجها جميل، وقلبها مفعم بماء بالحياة
بدأت فريدة تتعرّف على مناطق إنسانية جديدة من أنيتا، تلمّست جرحها الذي خلّفته وراءها في أحد القرى الفقيرة على الساحل الشرقيّ للهند، اصطحبتها أنيتا في رحلة الألم عبر تجربة من نوع غريب
بدأت مأساة أنيتا حين بلغت الخامسة عشر، وأضحت شبه عانس في نظر عائلتها الفقيرة، فقد تربّت في بيئة تعدّ الفتاة غير المتزوجة عارا على أهلها يجب التخلص منه في أقرب فرصة، ورغم سيادة بعض التقاليد الجائرة ضد العروس وأهلها، فقد سارعت أسرة أنيتا في تزويجها لأول طارق، رغم اعتراضها اليائس ورغبتها العميقة في استكمال دراستها حتى تصبح ممرضة
وبدأت الاتفاقيات المالية والتي تضمّنت مسؤولية أنيتا وأهلهاعن نفقات المنزل وكثير من العطايا والهدايا المحمّلة على عاتقهم تجاه العريس وأهله بحسب البند الأول من تقاليد تلك القرية والقرى المجاورة
وكان الزواج، وكما بدأ بدهس كرامتها كامرأة، فقد استمرّ الإجحاف والتعذيب المادي، ظلّ أهل العريس يمتصّون دماء أهلها ويثقلونهم بفجاجة غير مسبوقة بقائمة من الهدايا والطلبات الشهرية، وحين لم يتبّق لأهل أنيتا ما يقدّمونه لأهل العريس بعد أن فقدوا كل شئ، فقد حان موعد "حرق العروس" بحسب البند الثاني في تقاليد الزواج
اتّسعت عينا فريدة وأصابتها رجفة حين كشفت أنيتا عن ذراعها وقد بدت عليه آثار قديمة لحروق غائرة، ربّتت أنيتا برفق على رأس فريدة، وأخبرتها أن ذلك كان أفضل بكثير من أن تحرق بأكملها، فحين يعجز أهل العروس عن تأدية القرابين المادية الظالمة، ولكي يجد أهل العريس منفذا جديدا لعروس أخرى "مقتدرة"، يقومون بسكب الكيروسين على جسد العروس وإحراقها دون اعتراض من أهلها الجزعين، لكن أنيتا تمكّنت من الافلات من تلك المحرقة بعد أن نالوا فقط من ذراعها
وبعد هروبها من زبانية الحريق وفئران الجزع، لجأت الى أحد تلك المؤسسات الأهلية الساعية وراء إبادة العادات الجاهلية لحرق العروس، ساعدوها أن تكمل دراستها وتلتحق بمدرسة للتمريض، حتى واتتها فرصة العمل في ذلك البلد العربيّ
احتضنتها فريدة بقوة، وكأنها تبارك شجاعتها وسعيها وراء الحلم ومطاردتها لأشباح ماضيها الأسود
بالنسبة لها، كانت "أنيتا" شيئا مميزا بالفعل، لم تكن فقط بديلا كفءا لأم رحلت مبكرا، بل تجربة حياة، كابوسا وحلما، حديقة أينعت بعد العاصفة، فنشرت شذاها في أرجاء عالم فريدة الصغير
وحين استدعى عمل والدها السفر الى دولة أخرى، جزعت، وارتعبت، حتى احتضنتها أنيتا في حنان غامر، طبعت على جبينها قبلة، وناولتها بونيها أبيض
فقط فريدة هي التي تستلذ ّ بمتابعة الفيلم الهندي، تترفّع عن السخرية المبتذلة بكل ما هو هندي، لأنها تحمل معني أعمق وذكريات تكنزها وتجترها حين ترغب أن تشبع ذاتها من ذكرى الاحتواء
نهضت بعد انتهاء الفيلم، ذهبت لغرفتها، ووقفت أمام المرآة... ظلّت ترمق الفص اللامع في أنفها، وقد اجتاحت مسام روحها رائحة الياسمين....
مدّت يدها الى النافذة، فتحتها عن أخرها.... وأرسلت قبلة في الهواء، تعلم جيدا منتهاها

على جداريات الروح(1)..... هو حرف

إنطلق جرس منبّه هاتفها الخليوي في أجواء الغرفة، معلنا بقسوة نهاية الرحلة الليلية الى منطقة الأحلام المقدّسة، حيث اعتادت تأدية طقوسها بانسجام لا متناه.
مدّت يدها لتخرسه قليلا، على أن يستكمل مهمته التعذيبية بعد عشرة دقائق، (لطالما شعرت بسخافة أن يخترع أحدهم فكرة الـ "سنووز" أو التنبيه المتكرر) لكنها رغم ذلك تعتمد عليه، فقط لكي تمنح خلاياها فترة نقاهة مؤقتة قبل أن تستهلكها في الروتين اليومي.
قرّرت أن يكون برنامج النقاهة صباحها مختلفا، فبدلا من أن تغمض عينيها ثانية وتغتنم فرصتها شبه المعدومة في مزيد من النوم، ظلّت ترمق سقف غرفتها الأبيض، تحبّه لأنه يسمح لها برسم مئات الصور والمنحنيات التي لم تمنحها إياها ظروف الواقع، يسعفها بمساحة لا بأس بها كي تضرب بفرشاتها في "بالتة" الألوان الخيالية وترسم الشارع الكئيب الذي تقطنه وقد حفّت جانبيه أشجار "الفيكس" الملونة، أو ترسم غرفة المكتبة- المغلقة دائما بقفل عنيد في مدرستها القديمة- ترسمها كبيرة عامرة، مثقلة بالكتب ودوواين الشعر والحياة، أو تتخيل قطتها المدللة في فراش وثير وقد أعدّت لها طبق اللبن الدافئ وعلبة من سمك التونة
لم تكن كل انعكاساتها على السقف إيجابية ومثالية، فأحيانا تنفرج مخيلتها عن حبل غليظ ينتهي بعقدة محكمة وقد استعدّ طابور طويل من سائقي الميكروباص أن يأخذوا دورهم في الشنق! أو ربما تتخيل "سيّدة" صاحبة البقالة التي دائما ما كانت تغالطها في الحساب وهي طفلة، تختلس من الباقي و تتركها بلا نقود فيما تبقّى من الأسبوع، الآن تراها تتردّى في هوة عميقة لا آخر لها (ربما تأثّرتْ تلك الصورة بآيات من سورة “المطففين” التي قرأتها قبل أن تنام ليلتها)
نهضت منتعشة بعد أن نفذتْ منها الصور وجفّت "البالتة"، وغمرها شعور بالرضا والتعادل النفسيّ بين شحنات الموجب والسالب داخلها. لكنّها لا زالت تشعر أن هناك شيئا لا زال ينقصها، ما هو؟ هي فقط لا تعرف، أو لا تملك القدرة الذهنية كي تنقّب في ذاتها عمّا يمكن أن يملأ ذلك الفراغ المبهم.
فكّرت في إعداد كوب ساخن من خليط "النسكافيه" والكاكاو مع بضع ذرّات من الفانيليا، بالتأكيد سيكفل ذلك اعتدال مزاجها، فإمّا أن تجد ما تبحث عنه ليكمّلها، أو ينسيها الأمر برمّته فتمضي بيومها غير مشغولة البال بسؤال وجوديّ مؤرق كهذا.
تأكّدت من نسبية المقادير، ودرجة حرارة الماء، وترتيب إضافة المكوّنات، حرصت أن تطبّق وصفتها السحرية بحذافيرها، فالوضع الذهني لا يحتمل أي سهو أو خطأ.
احتضنتْ حرارة الكوب بين كفّيها، وأمهلتها كي تسري في جسدها وتحتضن كل خليّة مرتعشة أو متسائلة
مرّت الفترة القياسية المفترض أن يـُحدث المشروب تأثيره بعدها، فترجح كفّة أي من الهدفين السابقين، إلا أن ذلك لم يحدث –وللعجب- ، فقد انزلق السائل المـُحلّى أسفل لسانها دون أن تشعر باختلاف يذكر.
بعد خسارة أولى معاركها مع الفراغ المبهم، ذهبت تستعدّ للذهاب لعملها، إرتدت ثيابها بطريقة أوتوماتيكية كيفما اتفق، ولم تعر مظهرها أي عناية زائدة
وبعد يوم مكرور في العمل، لا زال الفراغ مسيطرا على ركن في عقلها، وفي طريق عودتها، قرّرت –لغير ما سبب معين- أن تستقلّ سيارة أجرة بدلا من الميكروباص
عند ناصية شارعها ارتجلت من السيارة، وتوقّفت هناك! توجّهت لا إراديا الى البقالة حيث وجدت "سيّدة" قابعة في كرسيّها وقد ازدادت بدانة وازدادت عدد الطرابيش الذهبية-التي تغلّف أسنانها- واحدا،
"لوأطول أنتقم من الغشّ اللي في دمّك كنت خلعتلك كام سـِنّة من دول، بحق فلوسي بتاعة زمان" فوجئتْ بأنها تناجي نفسها بتلك الفكرة الدموية، فلمَ لم يكفيها عقابها "بالهوة العميقة" صباحا؟ لمَ كل ذلك الألم غير المبرر؟ وسريعا نفضت السواد عن خاطرها وادّعت بحثها عن شئ معين بين رفوف مساحيق الغسيل، هنا دخل صبي تعلو وجهه علامات الشقاء، نظر لسيّدة في عدم اكتراث، وطلب منها كيس حلوى من رف علويّ خلفها، استدارت لتجلب له الكيس، وكانت يده قد امتدّت في رشاقة غير عادية الى أحد صناديق الشوكولاتة أمامه، جذب بعضها ودسّه في جيبه
ورغم انشغالها بالفراغ ومساحيق الغسيل، إلا أنها لمحته!
جذبت يده بقوة، وهزّت رأسها أن "لا"، فامتلأت عيناه بالرعب وبدأت تغشاها أولى سحابات الدموع، رمقته بنظرة ذات معنى، فأعاد ما جذبه الى مكانه
"سيّدة، هاخد كيسين مسحوق وخلّي حساب الولد معايا"، دفعت حسابهما وغادرت البقالة، دون أن تنظر وراءها، فقد اكتفت بسعادة عجيبة مصدرها الامتلاء الجزئي لفراغها المبهم
في الغرفة خلعت ثيابها، وجذبت أحد الأدراج كي تعيد الخاتم، فانسحب معه الدرج التالي، وكانت قد نسيت أمره تماما
اعتادت أن تحتفظ فيه بكل قديمها: فساتين العرائس الصغيرة، أوراق الرسم البدائي، تقارير المدرسة الشهرية، كراريس حصص التعبير التي تميّزت فيها دائما.
قرّرت ان تعبث بدرج الذكريات بعد أن تتناول غذاءها مع الأسرة. وعلى المائدة، التمعت في ذهنها فكرة، أطلّت من الشرفة ونادت البواب. " والنبي عايزة كراسة بيضة صغيرة ومش مسطّرة"
رغبت أن تخطّ فيها صورها ومنحنياتها التخلية، وأكّدت عليه أن تكون بلا سطور فتشبه سقف غرفتها الناعم إلى حدّ كبير
عادت الى الدرج المفعم برائحة الماضي، وأخذت تقلّب بين محتوياته، توقّفت عند أحد التقارير المدرسية، وأخذت ترمق اسمها، (الاسم: هـَنا محمود يوسف)، تذكّرت حين كان ينادى على الأسماء في الفصل، وما كان يؤذي سمعها حين يأتي دورها، كثيرا ما كانت تسمعه "هِـنا محمد يوسف"، فما اسمها إلا اسم مكان يشير لتواجد أبيها ! (يا لسخافة من ينادي الأسماء)،
ما أكثر ما تحمّلت من سخرية التافهين من زملاء الدراسة..."هـِـنا... تعالي هنا.. ولا خلّيكي هناك أحسن"... كانت تتلقّى كلمات السخرية فتزدردها كالأشواك في حلقها، ولا تنبس بـِـردّ أيا كان، فقد انزرع فيها إيمان راسخ لا تهزه ريح، أن اجتناب الناس أأمن من مواجهتهم
لطالما ظلّت تسائل نفسها لمَ يتسبب خطأ موظف جاهل في السجل المدني في حرمانها من أبسط حقوقها عند الميلاد؟ لمَ يسلبها حرفا يكتمل به الاسم بالعربية الفصحى-التي تعشقها-، فيغمرها معناه الحقيقي وتهنأ بأحقيتها في صفة تسعى لها وتطاردها في كل حلم. دائما ما اشتاقت لذلك الجزء من الحرف، الشئ الضئيل في حجم ما يستهلكه من مِـداد، الواسع فيما يكمله من معنى
قرّرت أن اسمها من الان سيكون "هناء"، لا تهمها الأوراق الرسمية ولا دفاتر أرشيفات الحكومة، وسيكون على الكل أن يعتاد مناداتها بهناء، إن أرادو أن يجدوا منها ردا
دقّ جرس الباب، هرولت مسرعة وقد عرفت الطارق وما جلبه من متاع هي في أمسّ الحاجة إليه.
فتحت أولى صفحات الكراسة، رقـّمتها (1)، وبدأت في رسم منحنيات كبيرة... ارتسمت على وجهها أمارات العرفان لدرج الذكريات، استمرّت الخطوط في التواصل، ومن ثمّ جاء وقت ملء الفراغات الداخلية للرسم الذي حاز كل الصفحة، ظلّت تلوّن الدواخل وتضغط على القلم، حتى لم تترك نقطة بيضاء.
في حلم الليلة، بدتْ "سيّدة" أقلّ قباحة وأقل بدانة، تخرج من "خنّها" الضيق في البقالة، تقف في وسط الشارع، وتخلع الطرابيش الذهبية وتقذف بها عاليا.......عاااالياً... باتجاه قرص الشمس
ثم تحوّل الشارع الى حديقة، ورأت الصبي الشقي على أرجوحة صغيرة خُرطت بالكامل من الحلوى، نظر اليها بعينين ممتنتين، وابتسامة ثقة، ثم اقتطع من الأرجوحة قطعة صغيرة ومدّ لها يده بها وقد انداحت الفرحة على عينيه
وكان آخر ما رأته في الحلم، فراغها المبهم وقد زحفت عليه "الهمزة" وسدّت ما تبقّى منه

Saturday, 30 December 2006

إعدام طاغية

يمشي وفي ظهره انحناءة
يكسو لحيته أبيض الفزع
من هول مصير لم يجل بخاطره
انكسرت في عينيه شهوة شيطان
وعربدة طاغوت
تخونه الذاكرة
ولكنها لم تخن أرامل السواد، وأطفال العاهات
زمنها، كانت إيماءة سبابته تترجم إلى ألف من الجثث
وبحور من أدمع الملح المقهورة
ورغبته في التجديد، تعني دورات مخيفة في عدّاد الأموات
لم يرحم من اختلفوا في الرأي أوالملّة
لم يصدّه براءة المهد أو عصا الشيخوخة
كأنهم بذلك قد أنكروا وحدانية البارئ
حين خالفوه
حين عارضوه
حتى حين كتموا نحيب الخوف في عروقهم
لم يسلموا من خائنة أعين بصّاصيه
**********
يقولون دمية ماريونيت بين أصابع من هم أطغى
يقولون جاسوس، أو حاشية فاسدة
كلها أعذار واهية، وهن عظامنا والعزيمة
كلهم طغاة معمّرون، نقتلهم أو يقتلهم طواغيت أخرون
لكن
الحساب والميزان لا يزر وازرة الأخرين
فلن يغفر له زمن الدخان الأسود
وقنابل كيمياء الموت
عليه وحده أن يجاوب
أن يحصي ارواحا حصدها في كل المواسم
********
سيتمرّد البعض
ويدافع البعض
بل سيعلن طغاة أخرون الحداد على روح الفرعون
ولكننا
نحن من نعيش ولا ننسى لسعة الأسواط
وأسماء جلادينا
سنظل نذكر
وسنظل نحتفل بعيد جاءنا في عيدين
*********

Friday, 29 December 2006

ليلة "جرد" السنة


**الليلة الوقفة، وبكرة العيد وبعده ليلة رأس السنة 2007 **
المرة دي ولأول مرة هاكتب بالعامية، واعتذرلك يا فصحى يا جميلة الليلة دي معلش
بمناسبة الليلة دي، عمري ما حبّيت أسمّيها ليلة "رأس" السنة، وبختارلها دايما مسمّى عجيب شوية وهو ليلة "جرد" السنة
لأني بحـِـسّ إننا بنظلمها لمّا نربطها بسنة جاية مجهولة مالهاش علاقة بيها لسّة، والأوْلى نربطها بسنة فاتت، كانت مليانة ضحك ودموع وعجايب
عادة بقعد الليلة دي في البلكونة، لوحدي، بعد ما أتأكّد ان العيلة كلها نامت، عشان يبقى الأتموسفير مناسب و"وحدوي" (إيه يا بنت الكلكعة دي؟ واضح ان الفصحى كانت أرحم
المهم، في قعدتي دي بيكون معايا جواب من نوع خاص، ما بحبّش أفتحه إلا الساعة 11:30 بالليل، وأقعد أقرا فيه النص ساعة اللي فاضلة من السنة المرحومة
بقرأه مرة واتنين وتلاتة، وأقعد أفكّر في اللي مكتوب فيه، وطبعا لازم أردّ عليه، عشان ما يصحّش أطنّش المرسل، وفي العادة بيكون الردّ عبارة عن وعود والتزامات وحـِلفانات، وشوية خطط وتكتيكات صغيرة كدة
أكيد دلوقتي اتعرف مين المرسل!..... ده الأستاذ رئيس قسم الأرشيف في الديوان العام لتسجيل وتوثيق الذكريات والأحداث ، تقسيم 2006 (ايه اللقب الطويل الغلس ده! إختصارا هسمّيه عمّو أشرف بتاع الأرشيف)
الجواب المرّة دي مش طويل قوي، مليان حاجات بتشوّك، بس برضه فيه شوية ورد وبلالين ومراجيح--- بس معلش يا عمّو هاضطر أفتحه بدري السنة دي عشان انت عارف زنقة الخروف والدبح والعيد والكلام دة كله
فتحت جواب عمّو أشرف ولقيته موضّبه بطريقة منظمّة أحسن بكتير من شخبطة السنة اللي فاتت، وايتديت أقرا:
هاي دودو إزّيك (عمو أشرف روش شوية)
ها؟ إيه رايك في السنة اللي عدّت دي؟ طويلة؟ قصيرة؟ خفيفة؟ تقيلة؟ حلوة وهاتعلّم معاكي؟ ولاّ "تنذكر ما تنعاد" على رأي اخوانّا الشوام؟
أنا عارف إنّك ما بتطيقيش السؤال ده وعايزاني أخشّ في المفيد... يللا يا ستّي خدي عندك، بس عايزك تبقي متأنية في الرد كدة وتكتبيلي حاجة جديدة وصادقة فعلا... أسيبك دلوقتي مع قائمة الجرد السنوي... (بالمناسبة، إيه رأيك في التنظيم المرة دي؟) :
أولا: الانجازات:
1- تقدّم ملحوظ في شغلك الثانوي، اتعلّمتي حاجات جديدة، عرفتي إزّاي تتعاملي مع نوعيات غريبة من الناس وتقدري برضه تاخدي منهم شغل كويس بالطريقة اللي انت عايزاها
2- سعيتي بمجهود عشان البعثة، وانشاء الله بعد العيد ربنا هيكرمك، بس صبرك بالله على موظفين الحكومة، هتتنقطي منهم، بس معلش، كاس وبتدور علينا كلّنا
3- عملتي المدوّنة بتاعتك، ورغم قلة الزوار والمعلّقين، بس فيها بوستات حلوة فعلا، ما تبطّليش
4- رجعتي تقرأي بشراهة تاني، بعد فترة مش قصيّرة من "التيبّس" العقلي
5- رجعتي ترسمي تاني برضة بعد فترة من "التجبّس" الفني

ثانيا: الاحباطات:
1- لمّا باباكي رفض سفرك انت وصاحبتك لتركيا، بعد ما خذلوكو 5 أصحاب تانيين كان مفروض كلكم تسافروا سوا في جروب
2- لمّا مشرف الرسالة عصلج وما عدّاش المقترح البحثي بتاعك من السيمينار، خلّيكي وراه وما تستسلميش
3- سفر واحدة من أعزّ صديقاتك مع جوزها لأمريكا لمدة 4 سنين
4- سفر صديقة عزيزة تانية برضه هي وجوزها لأمريكا، بعد ما ابتديتو تقرّبو لبعض وتفهموا بعض قوي --أاااه منك يا أمريكا يا مفرّقة الناس

ثالثا: أحلى لحظة: لمّا اكتشفتي إنك أخيرا قابلتي توأم روحك اللي يكمّلك
رابعا: أسوأ لحظة: لمّا اكتشفتي إنه لسّة ما قابلش اللي تكمّله
خامسا: أشخاص وأشياء وأحداث جديدة: توأم الروح المذكور سابقا، زميلتين عمل جداد: واحدة بتحبيها أوي، وواحدة مشيت قبل ما تكرهيها، معلّمتك وحبيبتك سحر الموجي، رحلة الغردقة، مشاركتك في النشاط الثقافي في الشغل (لازم ترجعي تلتزمي معاهم تاني وبلاش دلع)، مشاركتك الصغيرة في بداية مشروع مؤسسة أهلية لمكافحة المخدرات، حفلة اسكندريلا في الساقية، عملتي كوكيز بالشوكولاتة عجبت كل الناس وطلبوها منك تاني، افتتاح البوك شوب "الكتب خانة" واللي شايفة إنه هيكبر ويبقى في شهرة مكتبة الديوان، قصيدة الكعكة الحجرية لأمل دنقل

سادسا: لحظة بكى فيها قلبك: لمّا كانوا بيصوّروا في الأخبار أنقاض مبنى في الضاحية الجنوبية لبيروت، وكان في جثة أم حاضنة طفلها، ولمّا حاول رجل الانقاذ يفتح ايدين الأم ويشيل جثة الطفل، كانت ايديها قافلة عليه بحنان غريب---حتى بعد ما فارقت الروح جسدك يا أم
سابعا: إكتشافات ذاتية عن الذات نفسها: إكتشفتي إنك محتاجة تقعدي مع نفسك أكتر، تسدّي الباب عن الدوشة برّة، تـُجـْردي مشاعرك، أفعالك، وردود أفعالك بشكل يومي أو حتى أسبوعي، وما تستنّيش عمك أشرف من السنة للسنة، وتحاولي تقاومي ضعفك وتحوّشي لحظة الحب والشغف الحقيقية للشخص الصح، وإن احساس الشفقة على النفس ده فخ لازم تخرّجي نفسك منه بسرعة، وتحاولي ما تقعيش فيه تاني.... جلد الذات شئ مهم، بس الأهم هو احتضانها بعد كل سقطة بحنان وتفهّم

انتهى الجواب، وابتدت ماكينات المخ تشتغل، تهضم المكتوب، وتطحن في الأفكار، تجترّ الذكريات، وتضرب على وتر الضمير... كل دة وأنا قاعدة لا أحرّك ساكنا ولا أنبس ببنت شفة (مش قلنا الفصحى أحسن من العكّ اللغوي ده

ما حسّيتش بنفسي إلا ودمعة سخنة بتعدّي ببطء على خدّي، نشفت بسرعة عشان الجو برد، بس كان في دموع شجن لسّة محبوسة
طب ليه الدموع أصلا؟؟ دة سؤال نفسي عميق صعب أجاوب عليه، فيه لحظات كدة بتستدعي دمعة من غير سبب محدّد، من حقّك تدمّع، تعيّط، تفنهق حتى، بس تمسح كل اللي نزل من عينينك، وتقوم أقوى، وأحسن، عشان لسة في بكرة ولسة في 2007 عايزين يتكتبلنا فيها تقرير كويس

مرسي يا عمّو أشرف، بس تصدّق ما ليش نفس أكتب أردّ عليك، ارجوك ما تاخدهاش بشكل شخصي، أنا فعلا فهمت كل اللي كتبته، استوعبته، وحطّيته في مكان أمين جوة القلب والعقل
ما اقدرش أوعدك إن كله هيبقى تمام وفل الفل السنة الجاية، بس أكيد هشتغل على مناطق الضعف، هعلّق عليها يافطة منطقة عمل" ، واروح على مناطق القوّة أعمّرها، وأزرع فيها وأملاها ورد وشجر ومراجيح
و يا رب 2007 تكون مختلفة بشكل إيجابي....
يا ترى شايلالنا إيه يا سنة يا جديدة ....؟

ملحوظة: كان للصوت الحزين الصادر من الخروف المكبّل أسفل العمارة، دور استثنائي في خلق خلفية مأمأة موسيقية نادرة ساعدتني كثيرا في كتابة هذه التدوينة، معلش يا بو فروة صوف دافية، مش هتلحق 2007






Saturday, 23 December 2006

أتـَـذ ْكـُر....؟

كل ما نجي ننام... القمر بيحرسنا... يوقف عالشباك ...سهران ويحرسنا...
يـــــــــــا قمر... يـــــــــــا قمر...نحنا نعسنا... ع روس الشجر... ضلّك حارسنا


هنا.. كنتُ مستلقية على ظهري... في السرير...هو إلى جانبي... أيدينا متشابكة... أصابعنا متعانقة..
إجتاحتنا الذكريات العذبة... على حين غفلة...
ذكرى عشنا لحظاتها سويا... حلم راود عقلينا ذات يوم... ضحكة إقتسمناها في براءة...
- "أتذكرُ يا "بهاء" ؟... أتذكرُ كيف التقينا أول مرة ؟ كيف انعقدتْ بين قلبينا تعويذة الحب الساحرة ؟"
- " وكيف لي أن أنسى ذلك اليوم العجيب ؟ كان يوما مطيراً... أتذكرين؟ كان كل منا متدثّرا بثوبه الواقي من المطر.. كنت أضعُ ورقتين من صحيفة اليوم أمنع بهما الماء المنهمر أن يقرع رأسي الضعيف... كنت أنت حاملة مظلتك السوداء... سائرة في هدوء وثقة... بينما كنتُ أنا أهرول حتى لا يزورني برد الشتاء القاسي..."
- " نعم....حينها... ارتطمتْ كتفانا.. كنتُ أحمل هموم قلب حزين مكسور... وعقل مثقل بالتفكير... لا أعرف ما حدث ساعتها... فكأنما نفض ذلك الارتطام كل الأحزان... كأنما أتاح لعقلي هنيهة ليخفّف عنه عبء الأفكار القاتمة... والتقت عينانا.."
- " إلتقتا بقدرْ... كان لقاؤهما مسطورا في كتاب أزليّ... لقاء حسم آلاف الأشياء... ورسم ملايين الصور الملوّنة... لن أنسى تلك النظرة المتفاجئة في عينيك البنيتين... هل ظللنا نتبادل النظرات لثوان ؟ لدقيقة ؟ أم كان ذلك دهراً مديدا ؟ لا أذكر..! أتراك تذكرين ..؟"
إرتسمت على جانبي شفتاي ابتسامة مشتاقة...
- " لا أذكرُ غير ذلك الحوار القصير الذي دار بيننا كأنما تدرّبنا عليه لأيام تسبق ذلك اليوم... بعد أن اعتذرتَ لي عن سهوك.. سألــْتني...سيدتي هل لك أن ترشديني إلى المكتبة العامة ؟... رددتُ بسرعة بديهية غريبة... نعم سيدي... أنا ذاهبة إلى هناك بالفعل.... وكان كلانا يعلم أن الآخر يختلق كلماته... فقد فضحت العين ما انطوى عليه القلب..."
سمعتُ ضحكته العذبة... سكتَ قليلا كأنما يحاول استرجاع أحداث ذلك اليوم صورا وأحاسيس.. كأنما يشم رائحة المطر في أنفه..
- " و قد كان أن مشينا معا... وكلانا يعرف أين يخطو... كلانا يتباطأ في مشيته.. لأن أحدنا ما أراد المكتبة... إلا أننا استمرينا في الأداء البرئ... بل كنا مستمتعين أيضا... حتى وصلنا إلى أعتابها.."
- " ولجـْنا... مرتبكين قليلا... ما كنا نعلم ما سيحدث آجلا... إتفقنا أن سيتوجه كل منا إلى ما يبغيه... دون أن ننبس بكلمة عما إذا كنا ستلتقي ثانية..."
- " إختار كل منا رفّا عشوائيا... وكتابا أكثر عشوائبة... جلسنا إلى طاولتين متقاربتين... وظللنا نقلّب الصفحات... كان حفيف الصفحات ينقل ألف كلمة بين أذنينا المرهفتين... أخبرنا أن كلينا يرى انعكاس صورة الآخر في كتابه... ربما حانت من كلينا نظرة خاطفة للثاني... وتابعنا تقليب الصفحات... حتى تخبرنا بالمزيد..."
- " ما هي إلا دقائق.... حتى وجدتـُك تلملمين أشيائك معلنة الرحيل... كأنما مللتِ اللعبة... توجهتِ الى أمينة المكتبة... وقد اخترتِ كتابا للاستعارة.... هنا لحقتُ بك... وقدّمتُ لك كتابا نصحتـُك بقرائته... لأنني لمحت عنوان كتابك... ولاحظت الشبه بينهما... أتذكرين أي كتاب مددتُ لك يدي به؟"
-" وكيف لي أن أنسى.... كان طوق الحمامة...لابن حزم... كتاب الأ ُلفة وكشف المستور في علامات الحب....لم أكن قد سمعت عنه من قبل... لذا لم تسعفني الذاكرة في إخفاء نظرات التعجب من قسمات وجهي
".... وحين عدتُ الى منزلي.... وجدتُ بين طيّات الكتاب ورقة صغيرة مُجعّدة... قد شـُقت من صحيفة اليوم ... من حوافّها... و قرأت ما كتبـْته لي في الهامش... لن تستغرق قراءة الكتاب شهرا... إن أنت قرأتيه بتأنّي... واستوعبت معانيه.. وحين تفرغين... تعلمين أين سنلتقي...."
- " لم أشكّ لحظة في ذكائــِك... فقد كانت عيناكِ تفيضان حيوية وذكاءا... وأيقنتُ أننا لسوف نلتقي يوما في المكتبة..."
- " أتذكر يوم زفافنا... كيف خطونا خطواتنا الأولى في سعادة... كيف احتفى بنا أهل "ضيعتك"... كيف طفقت النسوة يذررن بتلات الياسمين فوق رأسينا... أتذكرُ كيف عبق المكان برائحتها الزكية... حتى لأني أتذكرُ قبلتنا الأولى... كانت أنفاســُكَ العطرة... برائحة الياسمين.."
إزدادتْ قبضة يديـْنا تماسكا.. وكأننا لا نريدها أن تفلت لحظة....

يا رفيقي القمر... يا رفيق الأيام... عاطول مرافقني ؟؟.حتى بالمنام....بطّلّع بالشباك... بشوفك بالشبّاك
وبطّلّع بالميّ... بشوفك بالميّ

- " حبيبتي ... أتسمعين تلك الدندنة ؟ أهي "قمر" في سريرها... تهدهدُ رأسها الناعس حتى تخلد للنوم ؟"
- " نعم أسمع صوتها الرخيم... لقد علـّمتـُها تلك الأغنية... أخبرتها أن تغنّيها ما أن تشعر بالوحدة... بالأرق... أو بالخوف... فلطالما طربتْ لصوت "ماجدة" منذ نعومة أظفارها...."

يا قمر...إلـّي وين بيتك .... ومنين بتجي...وإزا شي ليلة بتتعب... إلّي وين بتنام....
يـــــــــــا قمر... يـــــــــــا قمر...نحنا نعسنا... ع روس الشجر... ضلّك حارسنا... حارسنا..

- " قمر..... حبيبتي... أسمعك تغنيين... فلا تتوقفي... فأنا وبابا نطربُ لشدوك... نحبّ صوتك الصغير كما تعلمين... غنّي عزيزتي... غنّي يا قمري"
- " أتذكرين يا "جميلة" يوم ولادتها..؟ كانت تمطر يومها أيضا... فكأن الملائكة تهمسُ لنا ببركة ذلك اليوم... وتعدنا بسعادة غامرة آتية... كيوم التقينا..."
- " كانت ولادتـُها يسيرة... مخاضها قصير هــيــّن... كأنها لا تريد أن تؤلمني أبدا... يومها...أشفقتْ عليّ ... وجاءت لدنيانا تملؤها حبورا بدلا من أن تشعرنا بألم أو قلق... حبّي هي.... قمري هي"
ظللنا نسمع أهازيجها البريئة....

يا قمر شو بك.. عم بتكبر وبتصغر...ليلة عم تتّاوب.. وليلة عم تتدوّر
روح حدّ النجمة... إنت بتمحيها... وإن مرإت شي غيمة... بتتخبّى فيها...
بتتنأوز علينا.. وبنتطلّع فيك...لا تترك عينينا... تنضلّ نحاكيك...

- " أتذكرين يوم ركبتْ دراجتها الجديدة... ووقعتْ أرضا... ورأينا قطرات دمها تنساب من رأسها على الطريق... أتذكرين كم كنا مذعورين...جرينا نحوها... وقلبانا قد سبقانا ليحتضناها...ويكمّدا جرحها... أتذكرين ماذا قالت؟"
- " ربّتت على كتفينا... لا تخفْ يا بابا ... لا تبكِ يا ماما...أنا بخير... سأقود دراجتي بحذر... لكن لا تعاقباني.."
طيري طيري يا عصفورة أنا متلك حلوة صغيورة...

- " أتسمعُ يا بهاء ؟ حبيبتي الصغيرة تحفظ أغاني ماما عن ظهر قلب... لدوما كانت تحبُّ التجديد... وتدعوني أن أعلّمها أغنية جديدة... فتحفظها.. وتأتي مهرولة لتنشدها لي وأنا منهمكة في المطبخ... كثيرا ما نهرتها.. أن لا وقت لدي ساعتها... لم أكن أعلم أن صوتها خلاّب آسر.."

بركض فوق حفاف الزهر ...بحجر ع ميات النهر و بخبي بشعري بشّورة بيتك يا عصفورة وين... ما بشوفك غير بتطيري...ما عندك غير جناحين حاكينا كلمة صغيرة...
ولو سألونا بنقلن.... ما حاكتنا العصفورة


- " أتذكرين حين طلبتْ مني أن أجدل شعرها في ضفيرتين كما عودتيها..كم ارتبكتُ وأنا أصففه لها.. إنعقدتْ خصلها... آلمتها كثيرا... إلا أنها لم تصرخ... بل كانت تضحك... كم كنت أبدو كالأحمق"

انتي و كل الاهل صحاب.... بتحكيلن شو ما عملنالعبنا درسنا بكتاب... و تشيطنـّا و اكلنا...و ما شفناكي و شفتينا...كيف عرفتي يا عصفورةطيري طيري يا....

- " لمَ توقّفت يا قمري ؟ أكملي حبيبتي ... فأنا وبابا لا زلنا نسمعك..... قمـــــــر... يا قمـــــري.... ربما خلدت للنوم أخيرا... أحلاما وردية يا قلبي"
- " جميلة... هل أخبرتك كم أعشق النظر إلى وجهك وأنت نائمة... كم أشتاقُ لرؤية خصل شعرك الكستنائية... وقد رسمت عليها أشعة الشمس أساطير من ذهب. كم أحب شفتاك وهما ينفثان في قهوة الصباح نسائم باردة.. كم أحب لمعان الحياة في عينيك... تلك العينان الفياضتان.. دائما ما تربّت عليّ وتعدني بأن غدا لا بد سيكون أفضل...هل أخبرتك يوما كم أحبك؟..."
ذرفت مقلتاي دموعا حلوة.. دموع سعادة واعتراف بالجميل... دموعا فاضت حتى وصلت إلى يدينا المتعلقتين...
دموعا استشعرتْ أن قبضته قد بدأت تذوي في ضعف.... فانسابت لتـُـغـَسـّـل تلك اليد الحنون الطاهرة...
اختلطت الدموع بالدماء... إمتزجت الذكريات النقية ببقايا آلام الجسد الضعيف...
وها أنا أرقد بلا حراك على سرير محطّم... لا أحسّ في الظلام شيئا إلا يد بهاء... وقد ارتعشتْ أصابعه رعشة أخيرة...
لا أسمع شيئا في السكون القاتل... إلا صدى صوت حبيبتي...
تسرّب نور القمر من فتحة ضيقة بين الركام.. هي ما تبقى لي من نوافذ الى العالم...
ها هو كماعهدته.. وجه القمر...أراه بدرا منيرا...
لم يـَـحــِل دون ظهوره ظلم البشر وقسوتهم... لم يطفئ نوره دخّان القنابل الأسود..
وهناك .... من بعيــــــــــد... أرى هالة نور أكثر ضياءا...
هي قمري تطير بين النجوم.... بجناحين من ريش أبيض ناصع.. تهفو إلى حضن يحلــّق في الأعالي... حضن أبيها الحاني....
سألحق بكما... فما عاد لي مكان بين الركام... لا تتوقفي عن الغناء يا قمر... لا تتوقفي عن التحليق...
طيري طيري يا عصفورة... طيري يا "قمري" الأمّورة




أتعلم كيف يكون الحب؟

حين تسمع موسيقى منبعثة من غرفة مجاورة، تشرع في الغناء معها.... فقط لأن أنغامها تسحرك
وحين ينغلق باب الغرفة، أو يطغى على الأجواء دويّ قطار عابر، تظل تغنيها
ومهما فات من وقت حتى تسمعها مرة أخرى، ستجد نفسك تغني معها في تناغم تام
هكذا هو الحب
ترجمة لجملة من فيلم موسيقى من غرفة أخرى --

بين شتاءين

تسلّلت البرودة الى جسدي كزائر ثقيل.....
أتحرّك جيئة وذهابا كي أنفضها بعيدا.... وأكسب آخر معاركي معها....
لكنها تأبى إلا أن تغتال فرحتي الصغيرة
فرحتي بخصوصية الدفء... والتوحّد مع الأشجان...
أعّد كوب القرفة الساخنة خاصّتي... أرشفه ببطء....أو أزدرده في جرعات سريعة
لا أشعر بشئ مختلف... بل يتنامى شبح البرودة داخلى...
يجري أبيضه في الأوردة..ليستقرّ في العمق
تزرقّ أصابع يديّ.... أهرول مسرعة الى أدراجي...
لألتقط منها قفّازين....وأدفن أصابعي المرتعشة في أحضانها الطويلة الضيقة...
أتأمّل نسيج القفّازين...وتداخل لونيّ الرماديّ والزهريّ في توليفات حانية...
أتذّكر يوم أهديتني إياهما... في شتاء قديم...
أتذكّر كم كنتَ تحب كوب القرفة الذي أعدّه
لم يعد للقفّازين مغزى محدد... أشعر وكأن الفراغات بين عقدالتريكو كفراغات غربال الذكريات.... برحة، لا تحتفظ بالدفء في حناياها... تتجاهله وتهدره
لا فائدة من العبث... ولا قـَدَر للدفء هذا الشتاء
لأنك حين قرّرتَ الرحيل.... قرّرتْ أصابعي أن تظل باردة
أخلع القفّازين
أضيف بعض ذرّات الفانيليا
وأكمل ارتشاف كوبيَ الساخن

Friday, 22 December 2006

كل فتاة بنفسها دارية

طالما طرق أسماعنا المثل القائل بأن " كل فتاة بأبيها معجبة"، ولكن.. هل تساءلتْ إحدانا ما إذا كانت بنفسها دارية؟ هل حقا أن كل فتاة تعي حقيقة نفسها قبل أن تنجذب لشخصية أخرى كي تجد فيها ما تحلم به؟ وما تحبه وما تريد تحقيقه في حياتها؟
لم تكن تلك الأسئلة لتشغل بالي حتى كانت لي تلك التجربة مع "دارية" رائعة الكاتبة سحر الموجي، والتي استمتعت بكل دقيقة قضيتها في قراءتها، وكانت أسوأ لحظة حين وصلت للصفحة الأخيرة
فأسلوب السرد سهل ممتنع، واقعي حالم في ذات الوقت، تأخذنا مع دارية من مشهد الى اخر، ابتداءا من المطبخ، مرورا بغرفة نوم الأطفال، وحتى الوسادة التي تنام عليها كي تشركنا في تفاصيل أحلام الحرية التي تراودها دائما
وكانت التيمة الأساسية للرواية هي مفهوم "قوقعة الروح"، وكيف أن كل فتاة غالبا ما تغفل عن سبر أعماق نفسها وفتح تلك القوقعة كي تحرّرها من أصفادها التقليدية، وتطلق ما فيها من رغبات تحقيق ذاتها الحقيقية وكأنها تحكي قصة ألف امرأة وامرأة.. وكأن دارية بكل ظروفها وأحلامها وسقطاتها... هي فاطمة ابنة البواب... أو سالي ابنة الطبقة الراقية... أو آمنة ابنة الصعيدالجواني...
يا الله، كم نتشابه ودارية في تأخرنا عن نشر أجنحتنا وقيامنا بالتحليق في لك الرحلة "الفردية" و "الفريدة" في آفاق أنفسنا والتي نجهل عنها أكثر مما نعرف
منذ بضعة أيام ، كانت لي فرصة لقاء سحر في أحد مقاهي وسط البلد التي تعشق التواجد فيها، لم توافق صورتها التي رسمتها في مخيّلتي تلك التي رأيتها في الواقع، فهي دكتورة جامعية متخصصة في الأدب الانجليزي، متواضعة بشدّة (لا تحب أن يناديها أحد بـ "حضرتك" أو د.سحر) رشيقة الروح، عذبة الابتسامة، صريحة وشفّافة
كانت ليلة اللقاء قارسة البرودة، ظللت أرتعش من الخارج، إلا أن حديثها الجميل كان يدفئ قلبي من الداخل، فهي امرأة مميزة بكل المقاييس، خاضت تجربة الحياة ووعت أبجديتها، عرفت ما لها وما عليها، وأيقنت أن التوحّد مع الذات وقضاء أوقات طويلة بعيدا عن ضوضاء الخارج ليست وحدة او انعزالية كما قد يظن البعض، بل بالعكس، فالغربة الحقيقية هي غربة الانسان عن نفسه في ظل قيود وقوى خارجية تفرض عليه كيف يعيش وكيف يحلم، والأهم كيف يحقق أحلامه
سحر الجميلة، أحبك وأحترمك

مطحونة في فكرة

يا قرص شمس ما لهش قبة سما
يا ورد من غير أرض شب و نما
يا أي معني جميل سمعنا عليه
الخلق ليه عايشين حياه مؤلمة
عجبي

On Freedom....

The right to swing my fist ends where the other man's nose begins

-- Oliver Wendell Holmes

لي الحقّ أن ألوح بقبضة يدي في الهواء، لكن ذلك الحق ينتهي عند نقطة الالتقاء مع وجه الأخر
أوليفر وندل هولمز --

محاضرة رياضة بحتة


العام 2003-2004
بدأ العام الدراسي، وفرحنا – أنا واثنتين من صديقاتي- بالتعيين الجامعي وبدأنا مشوار "الألف ورقة وختم ودمغة" كي نستكمل الاجراءات ونسطر أسماءنا في سجل شؤون الأفراد بالكلية ، والذي اعتبرناه سجل الشرف والتقدير لمجهود الاربع سنوات السابقة، بالطبع لم نكن نعي ساعتها ما يحمل هذا اللقب من مشاكل وتعقيدات اجتماعية أكثر مما يجلب من "البرستيج" والمكانة المرموقة.... ما علينا من ذلك
المهم، كان لزاما علينا أن نبدأ في التسجيل لبرنامج الماجستير في ذلك العام وان نقرر ما سندرسه من قائمة المواد الاختيارية، طالعنا القائمة ووجدنا أن هناك موادا إجبارية من بينها.... رياضة بحتة
توقّفتُ قليلا أمام الاسم، فلطالما أزعجتني كلمة "بحت" أو "بحتة" لما تسببه لي من لبس في المعنى، فهل نقصد بالبحت : المجرد من كل الزوائد والتعقيدات فيكون الوصول الى قلبه سهلا ممتنعا؟ أم أنه العميق المعقّد الذي يضللك مائة مرة قبل أن تفهم كنهه؟ لم نستعجل الإجابة، فقد جاءتنا في صورة سلسلة من صور التعذيب الذهني في محاضرات امتدّت طوال عام كامل، وكانت معذّبتنا دكتورة من كلية العلوم متخصصة في هذا المجال "البحتي" من العلم
لا أحمل ذكريات لطيفة عن تلك المرحلة، مع وجود خلفية غير مطمئنة عن المادة بدءا من اسمها وحتى الضحكات التي كانت تطلقها الدكتورة دون سبب محدد اللهم إلا إذا اعتبرنا أن أفواهنا المفتوحة وأسئلتنا الغبية هي ما كان يثير ضحكات عقلية علمية معملية فذة كعقليتها
كانت محاضرة الثلاث ساعات تمضي كأنها قطار شحن مصري يدهس عقولنا في بطء، لا نرى إلا رموزا وحروفا، لا ارقام ولا مسائل، تجريد للكون في معان رياضية مبهمة، وتفسيرات غريبة لنظريات طالما اعتبرناها مسلّمات، فمثلا : هناك خصائص معينة في النظام العددي العادي 1، 2، 3،4، ..... يجب أن نتأكد منها قبل أن نعتبره نظاما عدديا صحيحا (ما هي أرقام وبنستخدمها طول عمرنا، خصائص إيه وبتاع ايه بس
لم نكن نحمل لهذه الدكتورة اي مشاعر ارتياح أو اعجاب من اي نوع، لم نكن حتى نسألها كثيرا إذا ما استعصى علينا معنى أو رمز (والذي كان غالبا ما يحدث، فمساحات الفهم كانت أقل بكثير من مساحات الظلام والألغاز) إيمانا منا أن الأمور ربما ستزداد تعقيدا وتضليلا إذا ما "فهمنا"، فكانت المحاضرة عبارة عن ثلاث ساعات من التسليم التام والموت الزؤام لكل خلية رمادية في عقولنا
ذات محاضرة، وفي خضم المعركة الحربية التي تشنها الدكتورة على أذهاننا المرهقة، سقطت إحدى عدستي النظارة الطبية التي ترتديها، فحمدنا الله أن معركة اليوم على وشك الانتهاء وآن الأوان كي ننسحب ونقّيّم خسائرنا العقلية، إلا أنها حاولت أن تعيد العدسة في إطارها، شاهدناها في انزعاج بالغ، فماذا لو تمكّنت من تركيبها ثانية؟، ستكمل المحاضرة وستقضي على ما تبقّى لنا من طاقة استيعابية
لكنها فشلت في ذلك! فتنهّدنا وحمدنا الله ثانية... "عـَـطيني ياها يا دكتورة أنا بصلّحلك ياها"... كانت تلك المبادرة البطولية الشهمة من زميل سوري كدنا أن نغتاله وقتها (و مالوش عندنا دية)، "ربنا يـ...... يا زكريا" أسررناها في أنفسنا.... "عطيني السويس نايف اللي معك يا دينا يللا".. موجها حديثه لصديقتي... --وكمان عايز السويس نايف يا غلس
ظل الأخ زكريا يمارس هوايته الاصلاحية حتى نجح في إعادة العدسة في مكانها، ولكم أن تتخيّلوا كمّ الحقد الموجّه إليه في هيئة إشعاعات تحت الحمراء وفوق البنفسجية – فقط لو كانت النظرات تقتل، لكان
انتهت المحاضرات، وتحدّدت مواعيد امتحانات اخر العام، وافقنا على حقيقة مزعجة: لا بد أن نراجع المنهج "البحتي" ونلخّص ما لم نفهمه في أسئلة حتى نتوجّه بها الى الدكتورة علّنا ننقذ ما يمكن انقاذه، وبالفعل اتفقنا معها على موعد في مكتبها في كلية العلوم كي تجيبنا على قائمة الأسئلة اللانهائية
لم يكن الوقت الذي قضيناه معها في الأسئلة المتعلقة بالمنهج هو الذي "علّم" في ذاكرتي، وانما ما تلى ذلك من أحاديث متنوعة جرفتنا إليها دفة الحوار بشكل غير متوقّع، فوجدتني أمام شخصية مختلف تماما عن تلك التي عرفتها طيلة عام كامل
وجدت فيها السيدة المثقّفة المطّلعة، التي تجيب على أسئلتي المتنوعة بأسلوب متعمّق وتحليل منطقي أثبت لي أنن القشرة "البحتية" الكريهة التي غلّفتها بها منعتني من أن أرى الانسانة الحقيقية ومن ورائها
تحدّثت معها في العديد من المواضيع( لم يكن من اهتمامات صديقتيّ أن يديرا معها أي حوار)، سألتها عن رأيها رايها في الوضع السياسي، وضع المرأة، الخريطة الدولية للتقدم العلمي، لماذا يتفوق اليهود في مجالات علمية بعينها... تحدّثنا لوقت طويل، استمتعت فيه بشكل كبير، أنساني ما عانيته خلال محاضراتها طوال العام
غلبني شعور غريب ساعتها: كيف يمكن أن تضيع من الانسان فرصة التعرّف إلى الآخر وبناء علاقة انسانية قوية معه، كيف تغلب علينا أحيانا أحكام مسبّقة وتطغى على رؤيتنا لجوهر الحقائق تلك "القشور" الافتراضية التي نــُلبسها للآخرين
خرجت من مكتبها وبداخلي مزيج حائر من المشاعر المتضاربة، فما بين شعور بالسعادة أن انتهت المأساة الرياضية البحتة، وشعور آخر بالاستمتاع الوجداني بعد حديث تلاقت فيه عقولنا –ولأول مرة- ، وثالثٍ بالأسف لفوات فرصة التقرّب من شخصية ثرية كشخصيتها

العام 2006
أدرتُ محطات التلفزيون كي أتابع مستجدّات الأخبار، فوجدتها... وجدت دكتورة "الرياضة البحتة" على قناة الجزيرة للأخبار، لكنها لم تكن وحدها، بل كانت محاطة بكمّ هائل من المراسلين والمصوّرين، وقد أخذت تجاوب على أسئلتهم وينعكس على وجهها فلاشات كاميراتهم، تُرى ما الأهميّة "البحتة" لظهورها على قناة في وزن الجزيرة؟
جاءتني ساعتها الاجابة، فقد اتضح أنها والدة علاء سيف الاسلام عمدة المدونين المصريين وأحد أبرز المعارضين للنظام السياسي، وكان هذا التجمهر حولها بعد القبض عليه واخرين في مظاهرة تأييد القاضيين الإصلاحيين محمود مكي وهشام البسطويسي
إنها دكتورة ليلى سويف، مدرسة الرياضيات بكلية العلوم جامعة القاهرة، والعضوة بجمعية العمل من أجل استقلال الجامعات (حركة 9 مارس)، وعضوة مؤسسة في الجمعية المصرية لمناهضة التعذيب، وناشطة بارزة في مجال حقوق الإنسان والمجتمع المدني
كانت كل ذلك، ولكنني للأسف حصرتها في ذلك الاطار الضيق لمحاضرات التعذيب البحتي
أنا أسفة يا زكريا، كان عندك حق، وتحية للدكتورة والإنسانة ليلى سويف


Thursday, 21 December 2006

الشرنقة

طريق طويل... تفترشه أشواك الورد القاني...تبتلع أحجارُه خطواتي المتعثـّرة..
شجر عتيق يلقي بظلاله في شؤم بيـّن...
ولا زلت أتعثـّر...
لم تمطر منذ زمن بعيد... ليتها تمطر فتغسل جراحا أثخنت القلب المختلج...
أ ُسرع بخطواتي أكثر...
أهرب من أشباح عناكب قديمة... لطالما غزلتْ شباكها اللزجة حول خاصرتي... حول عنقي..
أهرب.... كي لا أختنق...
أركض أسرع... لأنفض الخـَـبَـث عن ردائي الأبيض الطويـــل....
ألهث طلباً لرشفة تروي عطش الروح... لغدق النور وسط الظلمات المديدة...
لا زالت الأشباح تلاحقني ...ولا زلت أتعثـّر...
رأيتها... .. تتدلّى من غصن يابس...
معلّقة ً...رأساً على عقب...
هالة نور.. يلفـّها الغموض...
تبدو نائمة... أهي نائمة بالفعل؟ أم أنها تنتظر في توجّس...؟
شرنقة بـُـنيّة... بلون الأحزان... أو بلون فرحة انطفأ وهجها برياح زمن ٍ غابر...
قاربتـُها... نسيت جراح القدم والقلب... أو تناسيتها...
إحتضنتـْـها يداي في عناية...
أشعر بها... أحس برجفتها بين أناملي...
تحسّست خارجها... وسمعتُ نبض قلبها...
فراشتي... لا تخافي
شُـقــّي الطريق للنور... رفرفي بجناحيك في حرية... حطـّمي سراديب التـِّـيه... ولا تخافي...
إرتعدتْ الشرنقة... طلــّت فراشتي على استحياء... أو في خوف خيّم على شبح أجنحة متكسّرة ...
بسـِـمـْـتُ لها...
هزّت ْ شرنقتها بشدّة... فجرحتْ طرف البنان..
آلمتــْني... إلا أنني... تجاهلتُ الألم... فأنا مشتاقة لما بعد الألم...
لا زالت معلّقة في شرنقتها...
رأساً على عقب...
سألتها: ما يخيفك....؟ حدّثيني....
قالت: كيف لي أن أطير.. وقد تكسّرت الأجنحة..؟
قلت: سأقبّلهما بألف قبلة بين الجروح... فتطيب...
قالت: كيف أطير وقد غشِــي العينين دمعٌ ثقيل..؟
قلت: سأنفث فيهما بأنسام الحب الباردة... فتعود تبصر..
قالت: كيف أطير وقد ضللت الطريق؟
قلت: أوقد لكِ طرف ثوبي ونـَـسري سويا على هدى ً...
قالت: كيف أطير وقد اختزلتني الشرنقة في بضع كلمات مبهمة ؟ أبقتـْـني قعيدة في لفافة تصدح بالآهات؟
قلت: لأنتِ الأقوى... لأنت الأجمل... والجمال يبقى ويقهر...
قالت: كيف أطير وقد باتت عيناي لا ترى إلا صوراً مقلوبة..؟
قلت: إن أردتِ.. أقمت ُ لكِ رأسكِ في شموخ.. حتى تريـْــني صورة سويّة..
قالت: وكيف لي أن أثق بكِ؟
قلت: لكِ أن تكشفي الستر بنفسك..
أ َوَلا ترين أن بياض جناحيك من بياض ثوبيَ المنسدل؟
أولا ترين آمالاً ترتسم في عينيّ أن سنصلُ لقوس قزح ؟
هنا بداية الرحلة...مزّقي الشرنقة... إقهري قسوة معذّبتك... بدّدي ظلمها وظلمتها..
ناوليني جناحيك بين السبابة والإبهام...واستعدّي للتحليق لآفاق جديدة...
هنــــاك... حيث أجنّـة مئات الأحلام التي بدت مستحيلة...
هنــــاك.... حيث ستسكنين غصنا أخضر بلون الفردوس المفقود...
ليس غصنا أوحد كما اعتدتِ...لا بل أغصاناً عديدة... بعدد أطياف قوس قزح...

إنكمشـَـتْ فراشتي... تقوقعتْ داخل الشرنقة...
أوَ لازالت تــُفكّر في تردّد؟ وتتساءل في شك؟
أتـُـراها تخرج للنور؟ أتراها تعود فتـُـطـلّ...؟

فراشتي...لا زلتُ أنتظر...
لنـُـلقي بشرانقنا وأشباحنا سويا في محرقة كبيرة... ونرقص حولها رقصة النصر....
فراشتي...
لا زلتُ أنتظر...
ولا زالتْ أمانيّ معلّقة...
رأساً على عقب....

واحات

واحـــــــــــــــات....

أسمع دقـــّات...
وعدتني جنيّة جميلة... برحلة أثيرية... في يوم ابتسم فيه قرص الشمس..
أطربني طير العندليب بلحن ٍ جاذبيّ .. وهمست في أذني الجنيّة...
خبّرتني بأنه يوم لن يُـنتسى... ورحلة ستغزل آثارها بخيوط الذهب على شغاف قلبي...
صدّقتها... وخطوت في أثرها.. أخذت ْ بيدي وحملتني على سحابات طريّة... غاصت أقدامنا فيها بلذ ّة...
"رحلتنا طويلة... فهل من تعب؟"... هززت رأسي أن سأكمل... فأنا أرمق خيالات بهيجة من الأفق الأرجواني ّ البعيد...

هاهي واحتي الأولى... وأسمع دقــّات..
تداعبني أحاسيس الأمان والقنوت.. ثقة ٌ بأنني محميّة... من غدرٍ أو طعنة خيانة...
ما تلك الأنوار المتراقصة ؟ خيالات ٌ نورانية .. تتهادى تجاهي... ألمح فيها ابتسامات ثقة..بَيــْد أنها رقيقة ..
تحيّيني بأدب... تمنحني ثقةً أكثر... تحيطني بجوانحها الشفـّافة وترّبت عليّ...
"لا تخشـَي ْ شيئاً فهنا مكمن الحقيقة... لا تبالي فلكِ هنا ركنٌ آمن.. مرّي عليه متى شئت ِ .. ولا تخافي"..
يا للذّة ما أشعر به... ما شعرت به من قبل... بعيداً عن عوالم كاذبة منافقة...
هنا نادتني الجنّية... لنغدو إلى واحةٍ أخرى نديّة...

أسمع دقــّات...
أراها واحة أجمل... مرحٌ وفرح وألعاب ناريّة... تلمع في سماءٍ فيروزية..
ألقي ببصري على جوانب نهر مرمريّ... حوريّات يدلين بأرجلهن في مياهه الصافية.. تناديني إحداهنّ.. أن تعالي..
أخطو لها في دلال... تدنو إليّ... تفكّ خصل شعري... تسدله في المياه العذبة... وتغدو تمشّطه وتعطّره بمسكٍ أريجيّ..
غرفت ْ لي من النهر غـَرفة.. سقتـْني قطرات لؤلؤية... بيدها البضّة الناعمة...
" لا تخشـَيْ شيئاً.. فهنا نبع حنانٍ لا ينضب... متى جفّ الريق...وتاقت الأوردة لنبض ٍ جديد... مُرّي من هنا... ولا تخافي"...
روتني تلك القطرات الإكسيرية... أثلجت عروقي... وطافت بروحي لثوان ٍ سحرية..
علمت حينها أنه حان موعد واحةٍ غيداء أخرى..
ودّعتُ الحوريّات.. و كلي شغف أن أعود قريباً.. لأحتسي كأسا أخرى صافية..

وها أنا أتبع الحورية... وأسمع دقّات...
في واحتي الجديدة...لاح لبصري موكبٌ مهيب... رجالات طوال... يعلو وجوههم حزم وجدّية...
يحملون عرشاً مطعّما بياقوتات قرمزية..وهناك توسّد العرشَ تاجٌ ماسيّ..
يخطف البصر بلمعانه.. يأسر العين برونقه... عـُذريّ كأن لم يعلو رأساً من قبل...
أشار لي قائد الموكب.. أن تعالي سيدتي... سيدة القصر ... تعالي يا ملكة التاج...
حملني كريشة في الهواء.. أجلسني على العرش الوثير.. ألبسني التاج الخرافيّ... وقبّل يدي في رقة...
"لا تخشـَيْ شيئاً... فأنتِ هنا الملكة.. متوّجة.. رفيعة المقام عـــــالية..كي تبصري قدْركِ... مُرّي من هنا... ولا تخافي"
مقامٌ لا يعلوه مقام... ملكة ٌ أنا... عزيزة ُ القدر أنا... جرفني الإحساس الى طبقات روحيّة سامية
وكعادتها... غمزت لي الجنـّية... لتعلن غدوّ واحة أخرى...
أسمع دقــّات...
موسيقى حالمة تعبـّق المكان... ترسم آلاف الأحلام الوردية...
تسحر آذان العاشقين.... تلعب على أوتار قلب ٍ عليل...
أراه بلحيته الفضّية.. وأسماله العتيقة... ريشة ٌ ترتعش في يده... يخط ّ بها حروف الزمن القديم...
أشاح بوجهه العجوز ناحيتي...أشار إلى بعيد... "هاك عظماء التاريخ.. هاك العبقرية تمشي على أقدام ٍ حيّة..."
جموع ٌ وجموع... من كل عرق ولون... ألبسةٌ مختلطة... كأنها حفل تنكّريّ صاخب...
أفلاطون يرسم ملامح مدينته الفاضلة... أرخميدس يصرخ عارياً أن "يوريكا"...
شيكسبير يخلق روائعه المسرحية...وإبن حيّان غارقا ً في كيمياء الأشياء...
بيتهوفن يبدع سيمفونيته التاسعة...وزرياب يسحر سامعيه بصوت أخّاذ..
أجواء الموسيقى.... بحور العلم اللانهائي... لوحات معلّقة على مرسم الأبدية...
كلها تمتد لخط الأفق البعيد.. ولا أرى لها آخــِرا...
ربّت على كتفي ذلك العجوز القديم " لا تخشـَيْ شيئاً...فهنا كنوز الحقيقية... كلما نشدت ِغذاء عقل وروح...مُرّي من هنا... ولا تخافي"

أسمع دقــّات...
أكنت أحلم؟ أم هي أطياف لذيذة.. تسكر العقل لهنيهات..
أكنت نائمة؟ فتحت عينيّ.. رغم ظنّي بأني يقظة طوال الوقت...
نظرت لعينيه النائمتين .... وجبينه الواسع.. الذي ينبض إباءً ورجولة..
وجهه الخمريّ... تعلوه إبتسامة طفل هادئ مغتبط...
رأسي مائلة على كتفه العريض.. يدي راقدة في سكينة على صدره ناحية اليمين..
دقـّــات قلبه تنبض حياةً في يدي... كل دقّة تسري في يميني... تسبح في جسدي...
ملايين المعاني والأفكار.... زخم من المشاعر يدغدغني...
وأسمع دقــّات...

هي لحظات وذكريات...ضحكات ٌ وآهــات...
هي دقــّّات وواحات...
واحات في قلب حبيبي...

Monday, 18 December 2006

على جوانح الحرية

أغنية جميلة، للرائع مارسيل خليفة يغنيها من أوراق محمود درويش الأكثر روعة
الى عصافير الحرية الهاربة من الأقفاص، الخائفة من قصقصة الريش، من تكسير الأجنحة

عصفور طل من الشباك
وقال لي يا نونو
خبيني عندك خبيني
دخلك يا نونوقلت له إنت من وين
قال لي من حدود السما
قلت له جايي من وين
قال لي من بيت الجيران
قلت له خايف من مين
قال لي من القفص هربان
قلت له ريشاتك وين
قال لي فرفطها الزمان
ونزلت عا خدو دمعة
وجناحاتو متكيي
وتهدى بالرض وقال
بدي إمشي وما فيي
وضميتو عا قلبي وصار
يتوجع على جروحاتو
قبل ما يكسر الحبس
تكسر صوتو وجناحاتو
قلت له لا تخاف اتطلع
شوف الشمس اللي راح تطلع
واتطلع عالغابة وشاف
أمواج الحرية بتلمع
شاف جوانح عم بتزقزق
من خلف بواب العلية
شاف الغابة عم بتحلق
في الطريق إلى الحلم نتوه ... ولكن في ذات الطريق نجد حلما أخر

الدودة والكارت


(حوار حقيقي دار بين أحد ممثلي خدمة العملاء في موبينيل، وعميل فوق العادة)

- ألو،مساء الخير، أحمد مصطفى من خدمة عملاء موبينيل مع حضرتك
- لو سمحت عايز والنبي أسألك سؤال، هي الدودة بتاكل في الكارت؟
- أفندم؟ معلش سؤال حضرتك تاني لو سمحت..؟
- الدودة... الدووووودة... بتاكل في الكارت؟
- دودة إيه حضرتك؟
وبعد محاورات و مجادلات واستعانة بأصدقاء اخرين من ممثلي خدمة العملاء إتضح أن المقصود بالدودة هو الثعبان (أو لعبة سنيك الشهيرة)
- أصل الكارت خلص بسرعة وعايز أعرف إزا كانت الدودة هي اللي بتاكل في الكارت..
- لأ حضرتك الدودة مالهاش ذنب
- طب متشكر جوي جوي...

وكنت أظن المصريين فهلوية و يفهموها وهي طايرة، اتضح ان البعض لا يفهمها حتى وهي راقدة في عشها

نوح راح لحاله و الطوفان استمر
مركبنا تايهه لسه مش لاقيه بر
آه م الطوفان وآهين يا بر الأمان
إزاي تبان و الدنيا غرقانه شر

وعجبي

Sunday, 17 December 2006

You think you're unfortunate? Think again...



One night, it was merely a toggle between boring TV channels when I came across a report that churned me a big deal.
The outstanding story of Rosemarie Siggins, is not just a 5-minute report on a handicapped woman, it’s a perfect manifestation of what a ‘fighter’ should be. Born with a rare genetic disorder known as Sacral Agenesis, Siggins describes her painful disability “If you take a Barbie doll and remove its legs, the region you are left with is what I have”.




I watched some clips of her extraordinary life, and left astonished how a she could manage it through life. She uses a skating board to move around, depending on her hands in pushing her body and directing her moves. Sometimes when she’s not equipped with her board, she has to step with her body into puddles of mud just to cross over to the other side of the street. (Can you imagine that?)
Not only that she can heroically manage her physical disability, but also she has to take care of her own family; a loving husband, two kids, and a mentally retarded brother.

It’s amazing how a person with -literally- half a body can lead a perfect “whole” life….

We need to revisit our lives, value all the little things that we took for granted.....&...think again...

Know Thyself....

Now I become myself. It's taken
Time, many years and places;
I have been dissolved and shaken,
Worn other people's faces.....

The changing light on landlocked lakes,
For ten years have called a mountain, friend,
Have been nourished by plants, still waters,
Trees in their seasons,
Have fought in this quiet place
For my self.......

As strong, renewable, fertile,
As the world of nature all around me–
Learned to clear myself as I have cleared the pasture,
Learned to wait,
Learned that change is always in the making
(Inner and outer) if one can be patient,
Learned to trust myself.......

Scattered morceaus of May Sarton's poems on the quest of selfhood

في وجه السدّ

الساعة الواحدة، ظهر أحد أيام الصيف القائظ، في طريق عودتي إلى ضاحية المعادي حيث أقطن.. أقود "زيزة" سيارتي القديمة والتي يمكن اعتبارها مخبز آلي محترم في مثل هذا الوقت من العام... ، (هي جابت "جاز" من معاملتي الخشنة لها، وأنا جبت كتاكيت من سخونتها)...
سلكت طريق الكورنيش الطويل على أمل أن أقتنص فرصة ضئيلة أنعم فيها بلقطات متقطّعة من بقايا شاطئ النيل الذي اغتالته كازينوهات الدرجة الثالثة وسدود الاسمنت الخمس نجوم....
إلا أن تلك لم تكن آخر السدود التي واجهتها في ذلك اليوم الكئيب..
أحاول جاهدة تفادي سيارات الميكروباص التي يقودها رجال متمرسون في كل شئ وخاصة سب سائقي السيارات الملاكي من النساء على أساس أنه "بهايم" سواقة ! (العفو يا معالي الباشا سائق الميكروباص فمنك نتلقّى أرقى دروس فن القيادة)
بعد أن تجاوزتُ المرحلة البهلوانية لتجنب أذى الميكروباصات التي تتوقف فجأة في عرض الطريق لتقلّ راكبا جديدا، أو تلك التي تظهر من العدم وتتصدّر مجال الرؤية في ثوانٍ (والتي كانت بمثابة النوع الثاني من السدود التي باركت يومي ذاك)، انتقلت الى مرحلة "التعليقة"... حيث تتكدّس السيارات في صفوف قد تبدو لمن يراها بلا نهاية محددّة وبلا سبب محدّد، ها أنا ذا أقف بسيارتي في أحد تلك الصفوف لدقائق بدت كالدهر...أطفأت محرّك السيارة حتى يهدأ ويبرد قليلا، وظللت أرمق المنظر حولي: السيارات بالعشرات، لا تتحرّك قدر أنملة، متلاصقة، الاكصدام في الاكصدام كما يصفها التعبير الانجليزي
Bumper to Bumper
الوجوه واجمة متعبة، بعضها يعلوه العرق (فقط تلك التي قدرها أن تقود مثيلات "زيزة")...
لا مفر من أن ينتابني سؤال حيوي: ماذا لو استمر سوء التخطيط هذا؟ ماذا لوكان صحيحا أن السيارات في شوارع القاهرة لن تجد بالفعل مجالا تتحرّك فيه عام 2012 بحسب أحد التحليلات؟ ماذا كان سيحدث لو لم تكن هناك كباري علوية ترفع الآلاف من على الأرض، وأنفاقا أرضية تبتلع آلافا آخرين كل يوم؟ هل ضاقت بنا الأرض بما رحبت؟ أسئلة كثيرة أيقظها الملل والاجهاد، فتدحرجت من ركن مظلم من العقل، تدحرجت حتى اصطدمت بسد هائل لا يسعها إلا أن تركد عند أسفله....
تبدأ الصفوف في التحرك التدريجي، ينفك العُـقد فتنفرط حباته في سرعة جنونية، في محاولة يائسة لتعويض الوقت الذي أهدره الانتظار في صفوف العذاب...
ها أنا اقترب من الحي الذي أقطنه، وقد نشط عقلي بعد فترة بيات شتوي، فما انفك يعصف بالذكريات ويقدح شرارات أسئلة أخرى....
كان أول ما مرّ بذاكرتي، هو تلك الفترة من شتاء هذا العام، تحديدا شهر فبراير، حين غيّب البحر ذكرى المئات من "غلابة" الغربة في حادثة قاسية باردة، مرّت دون أن يحاسب أحد، دعنا من أن "يعاقب"، وذهبت أنّات أسر ضحايا الحرق والغرق في زخم تهليل المشجّعين في استاد القاهرة أبان بطولة الأمم الأفريقية، بدأت أعتقد أن الكل ضحايا، الذين غرقوا والذين بكوا الغارقين هم ضحايا الاهمال والفساد، والذين هللوا في الاستاد والشوارع ضحايا الجهل والتعتيم الاعلامي والأمل الكاذب في اي نصر من اي نوع وأي حجم وأي قيمة، وان جاء في وقت كان لا بد أن ترتدي فيه البلد السواد بدلا من تلك القبعات الطويلة السخيفة...
هنا تدحرج سؤال آخر الى أسفل السدّ: إلى متى سيغيّب الحي والميّت على السواء في هذا البلد؟
بدأت أشعر أن الطريق أطول وأضيق... توقّفت في إشارة مرورية مملّة، حين ظهرت لي امرأة تبدو عليها أمارات الحنكة ومغالبة الزمان، وكما هو متوقّع فقد بدأت ملحمة الشحاتة المتقنة والتي لا تخلو من تناقضات فكاهية، على شاكلة: " ربنا يخليكي ده أنا ست صاحبة عيا، أرملة، بربّي في يتامى وجوزي مشلول!!"
ترى.. كم تكسب هذه المتمرّسة في اليوم؟ لا شكّ أضعاف ما أقبض أنا من فتافيت الحكومة!
أضف الى كومة الأسئلة المتكوّمة...
لا زلت أشقّ طريقي وسط ميادين المعادي – التي يحلف بدهلزتها كل من لا يسكن فيها- ولا زالت الأسئلة تلعب لعبتها القاسية معي...
تذكرت حين رغبت يوما في شراء "تي-شيرت" قطن أبيض سادة - فيها مشكلة دي يا جماعة؟- قضيت ما يقارب الثلاث ساعات أبحث عن ضالّتي المنشودة بلا جدوى في بلد أستـُعمر سنوات سوداء من أجل قطنه... وأينما التفتّ وجدت تلك الماركة العجيبة للبلوزات الحريمي المطّاطية الخانقة ذات النسيج الصناعي 100%، وكم من دراسة أثبتت خطورة ارتداء مثل تلك الخامات "الصمّاء" الضاغطة على الجسد والروح معا...
ويلحق السؤال بسابقيه ليتكوّم عند السدّ: ترى ما الذي حدث لمستويات انتاج سلعة استراتيجية كهذه – واضح أنها استراتيجية من جهة أنها هدف استراتيجي للضرب والتدمير- كيف ينخفض الانتاج من 12مليون قنطار في الستينيات الى 4 مليون قنطار في هذا الزمن الأسود؟ هيييييييه
ما هذا!!أين أنا؟ لقد فوّتُ الفتحة المؤدية الى منزلي.. أخخخ ! وقعت في فخ دهاليز المعادي كغيري من الغرباء... حسنا لا بد من مخرج ما في مكان ما، ظللت "أعافر" في شوارع تتشابه في منازلها والسيارات القابعة عند مداخلها، تتشابه حتى في أشجارها المتشابكة، حتى وصلتُ الى شارع جانبي صغير... وهنا اصطدمت بأكبر سد في ذلك اليوم !
عساكر الأمن "مترشّقين" وأكثر من حاجز أمني حديدي... لم أستوعب أين أنا حتى سمعتُ صيحة مدوّية :" رايحة فين يا مدام"
- معلهش حضرتك أنا تايهة! هو أنا فين ؟
نظر ضابط الأمن المتعجرف الى زميله وابتسامة السخرية تعلو وجهه النرجسيّ الغليظ...
- يعني منتيش عارفة انت فين؟ هنا بيت السفير الاسرائيلي.. باين عليكي مش من هنا.. على العموم الشارع دة مقفول وممنوع حد يقرّب من المنطقة دي ! يللا لفّي وارجعي.. واسئلي بعيد..."
علامات البلاهة تعلو وجهي التعيس، وخليط من الردود تتزاحم على طرف لساني وتصرّ على الخروج، لولا أنني تيقّنت أنها لا تناسب المكان ولا الزمان..
" أولا أنا مش مدام أنا آنسة، ولوأنها مابتفرقش معاكو في أوقات هدم اللذات وتفريق الجماعات في أي مظاهرة... ما بيفرقش معاكو راجل من ستّ أصلا... ثانيا... أنا فعلا مش عارفة أنا فين، وماليش مزاج أستعبط النهاردة يا عم الموسوعة الفـِتـِك!
ثالثا..من امتى بنعلّم شوارع بلدنا ببيوت السفراء الأجانب، لأ و ايه... بيت "الأخ" ده بالذات..رابعا.. أنا من هنا.. ومن قبل ما تتخرّج سيادتك من كلية الشرطة كمان !
أخيرا وليس اخرا... ممنوع ممنوع، هو الشارع ده أخره الجنة يعني! أنا ماشية أهو، بس ماتزقّش..." ونظرا لخطورة كل من الأقوال الهوجاء السابقة، فقد اضررت لابتلاع لساني بما قد تكالب عليه من كلمات...ورجعت بالسيارة الى الوراء، والتي أبتْ إلا أن تخذلني كعادتها في أسوأ المواقف، فقد توقّفتْ أكثر من مرة، أحاول ادارة المحرّك وأنا أبتسم الى الضابط ابتسامة بمعنى– زي ما انت شايف هيّ اللي عنيدة ومش عايزة تتحرّك..
وحين رضيتْ عني، قدتها مبتعدة عن منطقة "التابو" ، وقد "انحشر" في أسفل السد أكبر سؤال لهذا اليوم: لماذا يسكن هذا الشخص على بعد كيلومترات منـّي؟
ملحوظة: لا بد أن هناك حلا عبقريا لمشكلتي مع الأقواس وعلامات الاستفهام والتعجب في الكتابة باللغة العربية ولكني ببساطة أجهل ذلك الحل...
:)

Breeze...


My all-time favorite portrait...
The girl showed up on a perfume ad...Her calm features grabbed my attention, so I decided to give it a "sketchy" try... It turned out to be more delicate than the real one... maybe coz I transferred a tremendous flow of inner feelings to the face I drew...
Breathing the fresh breeze, in a state of tranquility.... that's what I want to feel right now....

Reminiscence....

On a cold winter night, when all the good books in the library were read and re-read, & TV channels succeeded in proving their impotence & dullness, I decided to do something new for a change: reliving some blasts from the past…
I prepared a nice cup of hot chocolate in my favorite huge mug, and took my place in a corner in the balcony... (cozy settings are important for the process of recollecting memories)
I remember those funny unforgettable moments when I was a little kid who tried in vain to unlock some of the mysteries of the surroundings & drew some hypothetical conclusions and answers that would satisfy my eager enquiries- irrelevant the real answers that adults would provide.
Back then, many silly things preoccupied my mind:
§ Q: Why is that old movies are black & white? A: Life used to be black & white, then people invented colors and started painting everything; themselves, their homes, the streets, everything… I even tried to scrub my hands and see whether my original color was black or white…!
§ Q: How does a pregnant woman deliver her baby? A: God sends her baby from the heaven in a halo of light… she wakes up in the morning & finds her little one beside her in bed… (makansh 7ad 3’olob!)
§ Q: Why do clouds look like that? A: Clouds are actually luscious cotton candies made of “heavenly” sugar, & that only those who can reach for them, can enjoy their taste..
It’s not shameful at all to tell stories of your early primitive thinking; on the contrary, I believe that kids who never questioned their surroundings and started looking for logical answers relative to their age, grow up to be dumb adults!
There’s something magical about childhood and early years of life, your knowledge is limited, yet your mind knows no barriers. Imagination is the fuel of the soul, and purity is the driving engine. With such a perfect combination of qualities, one should always acknowledge the child within and reward its existence by revisiting it every now and then…
“We have to listen to the child we once were, the child who still exists inside us. That child understands magic moments. We can stifle its cries, but we cannot silence its voice. The child we once were is still there. Blessed are the children, for theirs is the kingdom of heaven. If we are not reborn – if we cannot learn to look at life with the innocence and the enthusiasm of childhood – it makes no sense to go on living.”
By The River Piedra I Sat Down And Wept - Paolo Coelho

Saturday, 16 December 2006

رمـــــــال


**(من وحي قصة حقيقية)

لا أدري أي يوم ٍ هذا... أية ساعة ٍ تلك..
كل ما أدركه أن خيوط الشمس غازلت عينيّ... داعبت وجنتيّ...عزفت على أهدابي موسيقى حالمة...
نادتني من خط الأفق.. سحابات زرقاء ...كأنها حلوى قطنية... بيضاء كبراءة كالأطفال...
لبيت النداء.. وقد أيقنت الى أين تقودني..
لملمت خصل شعري... طرحت أحزاني... ومشيت حافية القدمين... لأني علمت الى أين تأخذني هاتان القدمان...
موج فيروزيّ.... يقبّل رمال الشاطئ في تهادٍ...يتراقص في مقلتيّ...
هديرٌ ينعش أذني.... يحلـّـق بخيالي الى الوراء.. زخم الذكريات يهدر بين جنبات روحي...
هاك الرمال المخملية... هاك خطانا الصغيرة.. وقد رقدت في مكانها السرمدي... بين حبّات الذهب...
مهلا ً... أعرف هذه الأثار... تلك القدمين الدقيقتين.. تنوء يمناها عن يسراها....
لعمري... ما أحسبه إلا البارحة...أسمع صرخات فرح.. نداءات الأسماء...
تـُراقص شرائط شعرها هواء البحر.. تداعب الرياح جدائلها في مرح....
تطلق ضحكات الصباح... صوت ملائكيّ شقيّ....
أتبع أثارها... أشم أريج الفطرة...
أذهب أينما شعرتُ بها... أينما نفثتْ عنفواناً وجاذبية...
هناك وقفْتُ... غمرتْ قدماي موجة حانية.....دافئة كحضن الأم...
ناديت بصوتي... بروحي... بدموعي... دموع مالحة...إختلطت بمياه البحر...فزادتها مرارة....
ســــــــــارة.... يا ذكرى الطفولة... يا فرحة الزمن القديم... يا حوايا رحمي..قبليني قبلة..واحدة لا غير... أعيش بها ما تبقّى لي من أنفاس..
لا بل خذي قبلة على جبينك الصافي... قبلة حارّة.. تدفئ جسدك البارد... برودة البحر الذي حفظ ذكــــراك...

أهل العشق

مما أضر بأهل العشق أنهم ... هووا وما عرفوا الدنيا ولا فطنوا
تفنى عيونهم دمعا وأنفسهم .... في إثر كل قبيح وجهه حسنُ
رغم أن هذه الأبيات جاءت على لسان المتنبي -عبقري الشعر والحياة- منذ اكثر من ألف عام، إلا أن رسالتها تمس أكثر من وتر حسّاس في حياة كل منا
أسفا، أن جميعنا من أهل العشق، وأغلبنا لم يفطن إلا متأخرا
ترى .... كم من قبيح ذي وجه حسن قد مرّ بحياتنا ؟؟

Time to breathe.....

When I was a child, I used to build up a “tent” in the far corner of the living room, using a bedcover sheet and dining chairs as pillars. Inside my humble den, I made sure to grab all the little personal things that I would need to use during my temporal getaway.
My list of stuff included:
1. A sketchbook to draw stories with cartoon characters (funny how I neglected adding noses to the faces, yet emphasized on drawing beautiful eyes!)
2. A set of plastic maquettes of farm animals that I used to form plays on the ground of the tent. With each animal manifesting a real life character, the horse was my model of a nobility
3. My oldest English book: a collection of famous kids rhymes & fairy tales

In attempt to create my own “customized” space, I surrounded myself with the tools and stuff that would make me feel it’s my small world, my own rules, and my say… no parents rules, no teacher orders, no rude class mates…. I enjoyed that to the maximum…
But things changed a little bit when my younger sister grew up and started crawling her way to my sacred corner. I had to welcome her reluctantly on the condition that she sits there and watch with no further intrusion. Of course this didn’t happen, my rules were broken.. Can't deny we did have fun though… but my concept of a “private space” evaporated eventually…
My idea of blogs was so limited at first.. I was subconsciously convinced that they are exclusive to those who are politically active and their blogs were mainly breathing spaces for their suppressed political stands… Being reluctant to the concept of blogging, my best friend established her own blog a month ago. She encouraged me to read her posts and throw my comments…I started to like the idea, and took my first steps into the world of blogs (how come I was so belated ??)
Today, I declare hereupon the reclamation of my old wish to have a breathing space of my own. It's more like summoning all my kids (banat afkari) to one place...all the scattered thoughts, readings, poems, writings, everyhing...
I might not have too much things to say, but possessing a secured place where I can spill my thoughts freely, is an invaluable feeling…
… and this time, everyone is cordially welcome to my new “tent”…
Let’s all breathe together….

Dodo
December 16th, 2006
From a quiet bookshop in a quiet district
Cairo, Egypt