Friday, 22 December 2006

محاضرة رياضة بحتة


العام 2003-2004
بدأ العام الدراسي، وفرحنا – أنا واثنتين من صديقاتي- بالتعيين الجامعي وبدأنا مشوار "الألف ورقة وختم ودمغة" كي نستكمل الاجراءات ونسطر أسماءنا في سجل شؤون الأفراد بالكلية ، والذي اعتبرناه سجل الشرف والتقدير لمجهود الاربع سنوات السابقة، بالطبع لم نكن نعي ساعتها ما يحمل هذا اللقب من مشاكل وتعقيدات اجتماعية أكثر مما يجلب من "البرستيج" والمكانة المرموقة.... ما علينا من ذلك
المهم، كان لزاما علينا أن نبدأ في التسجيل لبرنامج الماجستير في ذلك العام وان نقرر ما سندرسه من قائمة المواد الاختيارية، طالعنا القائمة ووجدنا أن هناك موادا إجبارية من بينها.... رياضة بحتة
توقّفتُ قليلا أمام الاسم، فلطالما أزعجتني كلمة "بحت" أو "بحتة" لما تسببه لي من لبس في المعنى، فهل نقصد بالبحت : المجرد من كل الزوائد والتعقيدات فيكون الوصول الى قلبه سهلا ممتنعا؟ أم أنه العميق المعقّد الذي يضللك مائة مرة قبل أن تفهم كنهه؟ لم نستعجل الإجابة، فقد جاءتنا في صورة سلسلة من صور التعذيب الذهني في محاضرات امتدّت طوال عام كامل، وكانت معذّبتنا دكتورة من كلية العلوم متخصصة في هذا المجال "البحتي" من العلم
لا أحمل ذكريات لطيفة عن تلك المرحلة، مع وجود خلفية غير مطمئنة عن المادة بدءا من اسمها وحتى الضحكات التي كانت تطلقها الدكتورة دون سبب محدد اللهم إلا إذا اعتبرنا أن أفواهنا المفتوحة وأسئلتنا الغبية هي ما كان يثير ضحكات عقلية علمية معملية فذة كعقليتها
كانت محاضرة الثلاث ساعات تمضي كأنها قطار شحن مصري يدهس عقولنا في بطء، لا نرى إلا رموزا وحروفا، لا ارقام ولا مسائل، تجريد للكون في معان رياضية مبهمة، وتفسيرات غريبة لنظريات طالما اعتبرناها مسلّمات، فمثلا : هناك خصائص معينة في النظام العددي العادي 1، 2، 3،4، ..... يجب أن نتأكد منها قبل أن نعتبره نظاما عدديا صحيحا (ما هي أرقام وبنستخدمها طول عمرنا، خصائص إيه وبتاع ايه بس
لم نكن نحمل لهذه الدكتورة اي مشاعر ارتياح أو اعجاب من اي نوع، لم نكن حتى نسألها كثيرا إذا ما استعصى علينا معنى أو رمز (والذي كان غالبا ما يحدث، فمساحات الفهم كانت أقل بكثير من مساحات الظلام والألغاز) إيمانا منا أن الأمور ربما ستزداد تعقيدا وتضليلا إذا ما "فهمنا"، فكانت المحاضرة عبارة عن ثلاث ساعات من التسليم التام والموت الزؤام لكل خلية رمادية في عقولنا
ذات محاضرة، وفي خضم المعركة الحربية التي تشنها الدكتورة على أذهاننا المرهقة، سقطت إحدى عدستي النظارة الطبية التي ترتديها، فحمدنا الله أن معركة اليوم على وشك الانتهاء وآن الأوان كي ننسحب ونقّيّم خسائرنا العقلية، إلا أنها حاولت أن تعيد العدسة في إطارها، شاهدناها في انزعاج بالغ، فماذا لو تمكّنت من تركيبها ثانية؟، ستكمل المحاضرة وستقضي على ما تبقّى لنا من طاقة استيعابية
لكنها فشلت في ذلك! فتنهّدنا وحمدنا الله ثانية... "عـَـطيني ياها يا دكتورة أنا بصلّحلك ياها"... كانت تلك المبادرة البطولية الشهمة من زميل سوري كدنا أن نغتاله وقتها (و مالوش عندنا دية)، "ربنا يـ...... يا زكريا" أسررناها في أنفسنا.... "عطيني السويس نايف اللي معك يا دينا يللا".. موجها حديثه لصديقتي... --وكمان عايز السويس نايف يا غلس
ظل الأخ زكريا يمارس هوايته الاصلاحية حتى نجح في إعادة العدسة في مكانها، ولكم أن تتخيّلوا كمّ الحقد الموجّه إليه في هيئة إشعاعات تحت الحمراء وفوق البنفسجية – فقط لو كانت النظرات تقتل، لكان
انتهت المحاضرات، وتحدّدت مواعيد امتحانات اخر العام، وافقنا على حقيقة مزعجة: لا بد أن نراجع المنهج "البحتي" ونلخّص ما لم نفهمه في أسئلة حتى نتوجّه بها الى الدكتورة علّنا ننقذ ما يمكن انقاذه، وبالفعل اتفقنا معها على موعد في مكتبها في كلية العلوم كي تجيبنا على قائمة الأسئلة اللانهائية
لم يكن الوقت الذي قضيناه معها في الأسئلة المتعلقة بالمنهج هو الذي "علّم" في ذاكرتي، وانما ما تلى ذلك من أحاديث متنوعة جرفتنا إليها دفة الحوار بشكل غير متوقّع، فوجدتني أمام شخصية مختلف تماما عن تلك التي عرفتها طيلة عام كامل
وجدت فيها السيدة المثقّفة المطّلعة، التي تجيب على أسئلتي المتنوعة بأسلوب متعمّق وتحليل منطقي أثبت لي أنن القشرة "البحتية" الكريهة التي غلّفتها بها منعتني من أن أرى الانسانة الحقيقية ومن ورائها
تحدّثت معها في العديد من المواضيع( لم يكن من اهتمامات صديقتيّ أن يديرا معها أي حوار)، سألتها عن رأيها رايها في الوضع السياسي، وضع المرأة، الخريطة الدولية للتقدم العلمي، لماذا يتفوق اليهود في مجالات علمية بعينها... تحدّثنا لوقت طويل، استمتعت فيه بشكل كبير، أنساني ما عانيته خلال محاضراتها طوال العام
غلبني شعور غريب ساعتها: كيف يمكن أن تضيع من الانسان فرصة التعرّف إلى الآخر وبناء علاقة انسانية قوية معه، كيف تغلب علينا أحيانا أحكام مسبّقة وتطغى على رؤيتنا لجوهر الحقائق تلك "القشور" الافتراضية التي نــُلبسها للآخرين
خرجت من مكتبها وبداخلي مزيج حائر من المشاعر المتضاربة، فما بين شعور بالسعادة أن انتهت المأساة الرياضية البحتة، وشعور آخر بالاستمتاع الوجداني بعد حديث تلاقت فيه عقولنا –ولأول مرة- ، وثالثٍ بالأسف لفوات فرصة التقرّب من شخصية ثرية كشخصيتها

العام 2006
أدرتُ محطات التلفزيون كي أتابع مستجدّات الأخبار، فوجدتها... وجدت دكتورة "الرياضة البحتة" على قناة الجزيرة للأخبار، لكنها لم تكن وحدها، بل كانت محاطة بكمّ هائل من المراسلين والمصوّرين، وقد أخذت تجاوب على أسئلتهم وينعكس على وجهها فلاشات كاميراتهم، تُرى ما الأهميّة "البحتة" لظهورها على قناة في وزن الجزيرة؟
جاءتني ساعتها الاجابة، فقد اتضح أنها والدة علاء سيف الاسلام عمدة المدونين المصريين وأحد أبرز المعارضين للنظام السياسي، وكان هذا التجمهر حولها بعد القبض عليه واخرين في مظاهرة تأييد القاضيين الإصلاحيين محمود مكي وهشام البسطويسي
إنها دكتورة ليلى سويف، مدرسة الرياضيات بكلية العلوم جامعة القاهرة، والعضوة بجمعية العمل من أجل استقلال الجامعات (حركة 9 مارس)، وعضوة مؤسسة في الجمعية المصرية لمناهضة التعذيب، وناشطة بارزة في مجال حقوق الإنسان والمجتمع المدني
كانت كل ذلك، ولكنني للأسف حصرتها في ذلك الاطار الضيق لمحاضرات التعذيب البحتي
أنا أسفة يا زكريا، كان عندك حق، وتحية للدكتورة والإنسانة ليلى سويف


1 comment:

white seagull said...

i really appreciate this topic.
this is very important point..
and glad u knew her value at last..