Sunday, 7 January 2007

على جداريات الروح (3)... ثنايا الفـَـقـْـد

يستهويها تنظيف المكتبة وترتيب أرففها. تنثر التراب عن الأغلفة فتثير عـفارا يملأ أنفها الصغير. تنتابها نوبة عطس، لا تكترث لها وتبتسم. تقلّب بين صفحات كتابه الأوّل، فتهبّ منها نسمات باردة، تنفذ إلى قرارة روحها وتستفزّ ذكرى الاحتواء. تقفز بين السطور، تدغدغها فراشات المعاني، تغمض عينيها وتقرأ ما حفظته عن ظهر قلبٍ عاشق. تعود إلى صفحتها المفضّلة حيث الاهداء. تقرأ اسمها بين كلمات العرفان. " إلى ملاكي... من ظلّ جناحيك وُلد الإلهام..."
يلتمع ركنيْ عينيها بلؤلؤ ملح الفقـْد. تحتضن الكتاب القديم بين أضلعها، لتعود جنيناً في عالم خلقته بين غـُلافيـْن.
تنوي أن تعيده الى ذلك الفراغ الذي خلّفه بين كتابين، إلا أنها تغيّر رأيها. تدسّه تحت وسادتها...
*******

تحمل أوراقها وقاموس الترجمة الضخم، تنزل درجات سلم المنزل، لا تنظر حيث تخطو، تتابع الحوائط الباهتة وهي تلتفّ بحلزونية الى أسفل الستة طوابق. تتراءى لها نتوءات الى الداخل. في كل طابق حيث كان يميل على الحائط ليريح جسده المنهك، صدى أنفاسه اللاهثة يصدح في أذنيها، فتتأوه في صمت ذليل. تطلّ برأسها في بئر السلم المقيت، وتحلم بصندوق يرفعه حبل على بكرة، ليحمل صاحب الجسد المنهك فيرحم أنين قلبه. فقط لو اجتمعت القلوب المشتتة على قرار منذ سنتين، فقط لو استمعوا الى صوته وهو يؤذن فيهم كقطيع أصمّ. ست طوابق...عقول من حجر تسكن حجرا.
*******

يلقاها عمّ أمين الحارس. يستحلفها أن يحمل عنها العبء. تناوله ما تحمل وهي ترمق الكوفية الملتفـّة في دفء حانٍ حول رقبته. تسرح في التواءات نقوشها الصغيرة، أوراق شجر وأغصان، يأسرها اللون الأخضر بوداعته، هكذا دوما ستتذكّر قلبه، أخضر كالعشب النديّ في حديقة بـِكـْـر. يلحظها عمّ أمين، فيومئ برأسه شكرا لمن أهداها له. وكأنه يقتحم عليها خلوة الذكرى، فتغمره أيضا وحشة الفقـْد.
*******

تستعدّ لعبور الشارع. تلفحها رياح الشتاء القارسة. يغمرها دفء غامض، حين تستحضر أنفاسه الحارّة وهو ينفث في يديها الصغيرتين. يشتتّ انتباهها ضوء سيارة يرتعش بجنون. يقترب. تنتفض من نظرات الرغبة اللزجة وهي تبتلع جسدها في بطء. يتملكّها الذعر بقدر التقزز. بتلقائية تمدّ يدها تتحسس الهواء في قبضات يائسة. تبغي حضن اليد التي طالما عبرت بها الى الضفة الأخرى مئات المرّات. حين أفاقت من نوبة الحنين، عبرت الطريق في وثبات صغيرة، وهي تبكي حلم ظبية كانت ترفل بحرية في حرم الحصن المنيع.
*******

تلوح لها سحابة بيضاء وزرقة. بالأمس حين كانت تبني قلعة الرمل على شاطئ البحر، هناك بصحبته. يحاول كل من أقرانها الحاسدين لجمال قلعتها أن يدهسها بقدمه، كان دائما هناك إلى جانبها، بنظرة نارية تحرق رغبة المعتدي من على بعد. تصيبها نشوة السعادة لتتويجها ملكة على قلب حارس القلعة. تشم رائحة أعشاب البحر في أنفها. خشونة الرمال بين أناملها. وصوت ضحكته تملأ الأفق البعيد. تغمرها موجات الشجن، والحنين إلى ذكرى بطل أسطورتها الصغيرة
*******

تغرق نفسها في العمل، تكتم أحزان يومها بين الأوراق، في أدراج الملفــّات، في الشاشة المسطّحة أمامها. يأتي الظلّ الرمادي المقيت لرجل أخبروها أنه رئيس عملها. أخبروها أن تكتم غيظها وتتحمّل جلف انتقاداته. أن تعامله كطفل صعب المراس، تتقبّل عجرفته وهو يمزّق تقاريرها ويذرّها في الهواء. "أسلوبك ركيك. لا يعجبني. تصرّفي". هكذا عليها أن تسمع سخافة نقده الهدّام دونما كلمة تشجيع أو توجيه مثمر. تعلم يقينا أنه يهابها، يذعر من فكرة أن تتخطّاه بموهبة ولدت بها، فينكرها بجرأة ويعيق ارتقاءها عتبات مستقبلها كصحافية. بعبث يظن أن بإمكانه وأد حلمها في الرحم. لكنها لن تسمح لعبثه بالتمكّن. ستستدعي كتائب المقاومة بداخلها لتبدأ أولى معاركها للذود عن قلعة الرمل، سيكون الأمر الان مختلفا. فهي القائد والمخطّط، وهي المحارب والشهيد. فقط ستستلهم من حارس القلعة القوة وروح العزم فلن يكون بجانبها في معاركها الصغيرة كما بالأمس
*******

الساعة الواحدة بعد منتصف الليل. توقظها رسالة قصيرة على هاتفها. " نافذة سيارتك نصف مفتوحة. أيمن". تقطّب جبينها في استياء.... أيمن إبن خالتها... أوّل من طرق قلبها الغضّ في فجر تفتّحه، طالما حّّذرها منه، إلا أنها ولأول مرة عارضته، وتمسّكت بشغف أعمى.
ترتدي روبها في عجلة.تنحدر اسفل السلّم المقيت. تتردّد مائة مرة قبل أن تنتشل عمّ امين من بين طبقات السبات بنداءاتها الخفيضة. يصحبها الى الشارع حيث بيـّـتت السيارة. تغلق النافذة.
تلمح أيمن يحيّيها بابتسامة لزجة "لقد كنت مصيبا إذن.. عال.."
تنقل نظراتها بين كوفية عمّ أمين، ورقبة ايمن، تتمنّى فقط لو تعقدها بإحكام وتشدّ عليها.
انتبهت إلى رنين جرس هاتفه " ما اسم المقهى؟ حسنا، أنا في الطريق..." ترقبه ببلاهة وهو يرحل كشبح شفـّاف لا يترك وراءه أي أثر يذكر. تماما كما غادر قلبها كأن لم يطأه من الأصل. تنظر في الخواء.. ترنّ الكلمات في جنبات عقلها " فتى مدلّل عديم النفع، لا يجلب لنفسه كوب ماء"... فكيف تتوقع منه شهامة بعد منتصف الليل! فتاة غبية، لم تفتح أذنها وعقلها لحكمة من أرادها أن تكون ملكة ً أبداً
*******

تقف في الشرفة. تنثر حبّات الماء على الريحانات المزروعة. يعبق المكان بفيض الرائحة الملائكية. تقطف منها أغصانا معدودة. تدسّها في الدولاب بين طيّات ملابسها. تماما كما كان يفعل. "أريد أن تصحبك رائحة الريحان أينما ذهبت. كي تتبعك حمامتي وتحرسك حتى تعودي لي بالسلامة"
غشيتها أمواج الفقد الهادرة. تشهق بصعوبة كي تعبّأ صدرها من أنسام الليل ورائحة الريحان.
تحتضن وسادتها بقوة. اسفنجتها الليلية الماصّة للدموع واجتياحات الحنين. تمدّ يدها تحت الوسادة وتتحسّس الكتاب حيث وضعته..
تهمس بأنين غير مسموع.... " بابا... حبيبي... لا تتأخّر عليّ في حلم الليلة"

3 comments:

white seagull said...

waooo..amazing.
well done dodo, bgd msh 3arfa a7aded gomla mo3ayna shadetny bas kol el text 2asrny we dah gamalo..to7fa bgd.
momken law 2areto tany a2olek ay comment mofeed,bas besara7a ana lma ba2ra ay 7aga bahrab mn dour el nokad ely m3yshonholna fe el kolia fa ba7eb a2ra zay a3'ba kare2 momken y2ra..fa sam7eeny law msh ba2olek ay ra2y mofeed.
bs heya fe3lan 3agbany..
اه لو شافنى دكتور عندى فى الكلية وانا بقولك تحفة, هيقولى ممتاز زى زفت كلاهما حكم مفسد :) هو بصراحة الرجل عندة حق بس انا بحب اسيب نفسى الأول لإحساسى باللى بقراه, فيما بعد أبقى أقعد أحلل هو ليه عاجبنى.. لما أقرر أعيش دور ناقدة هختار شغلك ألعب فيه

بنت الحياه said...

تحتضن وسادتها بقوة. اسفنجتها الليلية الماصّة للدموع واجتياحات الحنين.

ما شاء الله، هدي النص أكثر من رائع، قدرتك علي القص المحكم وخلق الصور الغير مسبوقة ينبيء عن ميلاد روائية حقيقية في عالم أصبح فيه الأدب، تراث وعصور زمنية .. مدارس، وكتب قليلة كثير منها عبثي أجوف، وأخري صنفت كلاسيكية اتخذ الغبار مابين صفحاتها مخبئا .. استمعت بقرائتي لهذا النص العبقري حقيقة، أتمني أن لا تحرميني أبدا من مثل هذا الابداع..أحبك

el2ahwagi said...

2ad eh zekrayaat naas 3aysha fe2lobna...tefdal rafeeq leena fe kol tafaseel 7ayatna...

shahed 3ala tareekh zati konna netmanna nektebo sawa....

kalam el post da leeh ree7et el amaken...alwaan leeha bassma...we 7ob dafi beyseel been kalematha...

"
يلتمع ركنيْ عينيها بلؤلؤ ملح الفقـْد. تحتضن الكتاب القديم بين أضلعها، لتعود جنيناً في عالم خلقته بين غـُلافيـْن
"

bebasatta ...ra2e3a..!!